في دوار الحشالفة، حيث يعرف الناس قيمة الأرض ويحفظون وصايا الأجداد، ظهر رجل غريب معروف بـ“سائق الهانم”، رفقة امرأة غامضة جاءت من مدينة آسفي العتيقة يُنادى عليها بلقب “الهانم”.
أما ثالثهم، فكان رجلًا لا يتوقف عن الصراخ والتهليل، حتى أصبح أهل الدوار يطلقون عليه لقب “الكارح النباح”.
دخل الثلاثة الدوار بثقة كبيرة، وكأنهم أصحاب المكان، فيما كانت الهانم ترتدي جلبابًا أبيض يوحي بالوقار، لكن تلك الأثواب البيضاء تخفي وراءها أسرارًا لا يعلمها إلا رب العالمين.
أما “سائق الهانم”، فقد نصب نفسه المتحدث الرسمي باسمها، يصول ويجول ويكثر من الطواف بين ناس الدوار، يزين صورتها ويعد الجميع بالمستقبل الزاهر.
مع مرور الأيام، لم يعد “سائق الهانم” يرى في الدنيا سواها. يتبرك بطلعتها كل صباح، منتظرًا ما تجود به مائدة فضلها من مأكل وملبس وبعض الدريهمات لقاء خدمات “التعريجة” التي يتولاها، لكنه لا يجيد القرع على طبلها.
“سائق الهانم” كان يقوم بمدح “ستّ الهانم” في كل مجلس ولقاء، معتبرًا كلامها حكمة لا تقبل النقاش. حيث قال أحد شيوخ الدوار ساخرًا: “لقد تحول الرجل إلى شاعر عشق، لا يرى إلا وجه الهانم التي تعده بمشروع هائل يكسب منه الأموال، لتصبح مهمته الرسمية هي تلبية طلباتها والبحث عن شهود ينمقون صورتها ويشبعون طمعها، فضلاً عن سياقة سيارة الهانم واستدراج شباب أميين مستغلًا فقرهم وسذاجتهم للإدلاء بشهادة زور قد تؤدي بهم إلى هاوية المحاكم والمتابعات. لتتبخر وعود الهانم وسائقها، وتتحول وعود التوظيف إلى سراب في صحراء ممتدة لا نهاية لها، فيما أحلام أخت سائق الهانم بأن تصبح “هانمًا” حقيقيًا ومديرة لمشروع حيواني.
أما “الكارح النباح”، ولكثرة طمعه الذي لا حد له، فقد تحول إلى كلب وفيّ، بما يستتبع ذلك من طاعة عمياء للهانم. يجيد لغة التصفيق لكل ما تتفوه به أو تفعله، مهاجمًا ككلب مسعور كل من يتحدث عنها بسوء أو يعترض على قولها وفعلها، ليصبح حديث المجالس، حيث يُقال في شأنه: “باع عقله للوهم فأصبح صدى لغيره”.
أما “الأشهب” فأصبح عاشقًا بدون سابق إشعار.
في متاهة هذا الهيام الشبقي للهانم، يأتي دور المسمى “طاحت الصمعة علقوا الحجام”، الذي سنروي حكايته عما قريب، لتعرية خبايا العشق والحلم، لكنه في طريقه إلى الممنوع، في فضاءات الأبواب المغلقة في قلاح “بوركايز” و“تيط مليل” و“المركزي”… فيما يحاول “الأخضر” تسوية حسابات العشق العالقة من خلال حصد الأخضر واليابس، في مسار حياتي شكل جزءًا من تركيبته المهترئة والمتسخة، الملوثة بعرق شقيقاته البنات وحرمانهن من حقهن في الإرث.
أما “مسيلمة الكذاب” فقصته لا تنتهي، وفيها من الطرائف ما لا ينضب، متصلة بعالم الحيوان ومرض شبقي ربط الجنس البشري بالجنس الحيواني من خلال “حمارة” كانت جزءًا من مرضه.
فبعد أن كان أهل الدوار لحمة واحدة، شكّل حضور “الهانم” نقطة تحول قتلت كل جميل فيه، ورسمت صورة سوداوية حملت العهر والوسخ إلى قلب كيانه، مستغلة الحاجة والفقر والجشع الإنساني لتكسر كل لحمة وحدة بين أفراده. بين من أصبح جزءًا من لغة المسرحية، وآخرين من أعزة الدوار وأشاوسه الذين رفضوا التحول إلى دمى في رقعة أحلام “الهانم”، وبقوا أوفياء لحكمة الأجداد التي تقول: “من جاء يبحث عن المصلحة سيرحل، ومن جاء بصدق سيبقى أثره”.
في إحدى الليالي، اجتمع كبار الدوار، فقال أكبرهم سنًا: “لا يغرنكم بريق الكلمات، فالشجرة تعرف جذورها، والأرض لا تمنح أسرارها إلا لأهلها”.
لتنتشر في صباح اليوم التالي حقيقة كضوء الشمس، فتسقط كل الأقنعة، ويكتشف الجميع أن الضجيج لا يصنع مجدًا، وأن الطبول مهما علت أصواتها لا تغطي صوت الحق.
في نهاية الحكاية، خرج الأسد من عرينه، ونظر إلى الجميع وقال: “هذه الغابة لا يحكمها النباح ولا تملكها الأوهام. هنا يعيش رجال ونساء يعرفون قيمة الأرض والكرامة، لا يبيعون تاريخهم للغرباء. فمن جاء بالصدق فله مكانه، ومن جاء بالخداع فليرحل قبل أن يحكم عليه الزمن بالرحيل مع الفضيحة”.
لينصرف الأسد، ويبقى الدوار شامخًا كما كان دائمًا، لا تحركه الرياح ولا تهزه الأصوات، لأن الحق مهما تأخر لا بد أن ينتصر.
بقلم: محي بن علي الحشلافي
