يمثل قرار الولايات المتحدة بدء إجراءات شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بعد إدراجها فيها منذ عام 1979، أحد أهم التحولات في السياسة الأمريكية تجاه دمشق خلال العقود الأخيرة. فالقرار لا يقتصر على كونه إجراءً قانونيًا أو دبلوماسيًا، بل يعكس تحولًا في الرؤية الأمريكية للمنطقة، ويؤسس لمرحلة جديدة قد تحمل تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية واسعة على سوريا والشرق الأوسط.
أولًا: المسار الرسمي للقرار
بدأت الخطوات العملية خلال مايو ويونيو 2026 عندما أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية، بقيادة ماركو روبيو، إزالة سوريا من قائمة “الدول غير المتعاونة بشكل كامل في مكافحة الإرهاب” (NFCC)، في خطوة اعتبرت تمهيدًا قانونيًا وسياسيًا للشطب النهائي.
وفي يوليو 2026، التقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برئيس الحكومة الانتقالية السورية أحمد الشرع على هامش قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، قبل أن يوجه إخطارًا رسميًا إلى الكونغرس لبدء مهلة المراجعة القانونية البالغة 45 يومًا، وهي المرحلة الأخيرة قبل دخول القرار حيز التنفيذ إذا لم يصدر اعتراض تشريعي.
ورحبت الحكومة السورية بالقرار، معتبرة أنه يمثل بداية مرحلة جديدة من العلاقات الدولية ويفتح الباب أمام عودة سوريا إلى الاقتصاد العالمي.
ثانيًا: البعد القانوني
لا يسمح القانون الأمريكي بإزالة أي دولة من قائمة الدول الراعية للإرهاب بقرار سياسي فقط، بل يتطلب إثبات حدوث تغيير جوهري في سياسات الدولة، وتقديم ضمانات رسمية بعدم دعم الإرهاب مستقبلًا، إضافة إلى مراجعة إلزامية من الكونغرس.
ويشير خبراء القانون إلى أن هذه الإجراءات تجعل القرار أكثر استقرارًا من الناحية القانونية، وتمنحه شرعية مؤسسية تتجاوز حدود الإدارة الأمريكية الحالية.
ثالثًا: المكاسب الاقتصادية
يرى اقتصاديون أن إزالة التصنيف تمثل نقطة تحول في الاقتصاد السوري، إذ تفتح الباب أمام إعادة الارتباط بالنظام المالي العالمي، وتشجع البنوك والشركات الدولية على دراسة العودة إلى السوق السورية.
لكن الخبراء يحذرون من أن النتائج لن تكون فورية، لأن المؤسسات المالية العالمية ستواصل تطبيق سياسات الحذر وإجراءات الامتثال لفترة قد تمتد إلى أشهر أو سنوات.
كما يمنح القرار دفعة قوية لملف إعادة الإعمار، خاصة مع التقديرات التي تشير إلى أن سوريا تحتاج إلى استثمارات تتجاوز 216 مليار دولار لإعادة بناء البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية.
رابعًا: التحليل السياسي
بعيدًا عن الجانب القانوني، يبدو أن القرار يعكس تحولًا استراتيجيًا في السياسة الأمريكية أكثر من كونه مجرد رفع لعقوبة قديمة.
الإدارة الأمريكية تسعى إلى إعادة دمج سوريا في محيطها العربي والدولي مقابل تغيير تموضعها الإقليمي. فخلال العقود الماضية ارتبط وجود دمشق على قائمة الإرهاب بعلاقاتها الوثيقة مع إيران ودعمها لحزب الله، بينما تشير التطورات الحالية إلى محاولة واشنطن بناء علاقة جديدة تقوم على المصالح الأمنية والاستقرار الإقليمي.
كما يهدف القرار إلى تقليص النفوذ الإيراني داخل سوريا عبر تشجيع دمشق على تنويع شراكاتها السياسية والاقتصادية والانفتاح على الدول العربية والغربية، وهو ما قد يعيد رسم موازين القوى في المشرق العربي.
وفي الوقت ذاته، تريد الولايات المتحدة الحفاظ على تعاون أمني مع دمشق في ملفات مكافحة تنظيم داعش، وضبط الحدود، ومنع عودة الجماعات المتطرفة، خصوصًا مع توجهها إلى تقليص وجودها العسكري المباشر في شمال شرق سوريا.
خامسًا: الانعكاسات الإقليمية والدولية
فتح القرار الأمريكي الباب أمام حراك دبلوماسي واسع تجاه دمشق، حيث سارعت عدة دول أوروبية وعربية إلى تعزيز اتصالاتها السياسية مع الحكومة السورية، في مؤشر على أن العزلة الدولية التي فرضت على سوريا خلال السنوات الماضية بدأت تتراجع.
كما يمكن أن يشجع القرار المؤسسات المالية الدولية، وصناديق الاستثمار، والشركات الكبرى على دراسة فرص العمل داخل سوريا، وهو ما قد يغير طبيعة الاقتصاد السوري خلال السنوات المقبلة إذا توفرت بيئة سياسية وأمنية مستقرة.
قراءة مستقبلية
ورغم أهمية القرار، فإن نجاحه سيظل مرتبطًا بقدرة الحكومة السورية على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة، وتعزيز الاستقرار الداخلي، وبناء مؤسسات قادرة على جذب الاستثمارات وإعادة الثقة بالاقتصاد.
كما أن استمرار الانفتاح الأمريكي والغربي سيعتمد على مدى التزام دمشق بالتعهدات السياسية والأمنية التي قدمتها، وعلى تطورات علاقاتها الإقليمية خلال المرحلة المقبلة.
لا يمثل شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب مجرد إنهاء لتصنيف استمر أكثر من أربعة عقود، بل يشكل بداية مرحلة جديدة في العلاقات الأمريكية السورية، ويعكس تحولًا في أولويات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. وإذا نجحت دمشق في استثمار هذه الفرصة، فقد يتحول القرار إلى نقطة انطلاق لإعادة دمج سوريا في النظامين الإقليمي والدولي، سياسيًا واقتصاديًا، بعد سنوات طويلة من العزلة والعقوبات.