الرباط – يشكل تدبير صفقات الافتحاص والتكوين بالمؤسسات والهيئات العمومية أحد المواضيع التي تحظى باهتمام متزايد في الأوساط الأكاديمية والقانونية، بالنظر إلى ارتباطها بمبادئ الحكامة الجيدة وحسن تدبير المال العام، كما هي مؤطرة بمقتضيات دستور المملكة والتشريعات المنظمة للمالية والصفقات العمومية.
ويرى أساتذة في القانون العام أن هذه الصفقات تندرج ضمن الآليات التي تلجأ إليها الإدارات العمومية لتطوير أنظمة التدبير، والرفع من كفاءة الموارد البشرية، وتعزيز آليات المراقبة الداخلية، غير أن فعاليتها تظل مرتبطة بمدى احترام الضوابط القانونية والتنظيمية المؤطرة لإبرامها وتنفيذها.
ويستند هذا التوجه إلى دستور المملكة لسنة 2011، الذي أرسى مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، ونص على خضوع المرافق العمومية لمعايير الجودة والشفافية والمساءلة، مع التأكيد على حسن تدبير الأموال العمومية وترشيد استخدامها بما يحقق المصلحة العامة.
وفي السياق ذاته، خول القانون رقم 62.99 المتعلق بمدونة المحاكم المالية للمجلس الأعلى للحسابات صلاحيات واسعة في مجال مراقبة المالية العمومية، سواء من خلال مراقبة تسيير الأجهزة العمومية أو تقييم برامجها ومشاريعها، أو التحقق من احترام قواعد الاقتصاد والفعالية والنجاعة في تدبير الموارد العمومية. كما يخول للمجلس إصدار ملاحظات وتوصيات تروم تحسين الأداء الإداري والمالي للمؤسسات الخاضعة لرقابته.
ويؤكد باحثون في القانون الإداري أن الرقابة التي تمارسها المحاكم المالية لا تقتصر على مراقبة مشروعية النفقات، وإنما تمتد إلى تقييم أساليب التدبير وقياس مدى تحقيقها للأهداف المسطرة، انسجاماً مع التطور الذي عرفته الرقابة العمومية، والتي أصبحت ترتكز على معايير النجاعة والفعالية إلى جانب الشرعية.
ومن جهة أخرى، يؤطر المرسوم رقم 2.22.431 المتعلق بالصفقات العمومية مساطر إبرام وتنفيذ الصفقات، ويكرس مبادئ حرية الولوج إلى الطلبية العمومية، والمساواة في معاملة المتنافسين، والشفافية في اختيار المتعاقدين، مع إلزام صاحب المشروع باحترام قواعد المنافسة وضمان الاستعمال الأمثل للموارد العمومية.
وفي هذا الإطار، يعتبر مختصون أن صفقات الافتحاص والتكوين، شأنها شأن باقي الصفقات العمومية، تخضع للمبادئ نفسها، بما يفرض تحديد الحاجيات بشكل دقيق، وإعداد دفاتر تحملات تستجيب لمقتضيات القانون، واعتماد معايير موضوعية في تقييم العروض، مع تتبع تنفيذ الالتزامات التعاقدية وتقييم النتائج المحققة.
كما يبرز الفقه الإداري أن تعزيز حكامة هذه الصفقات يقتضي تفعيل آليات المراقبة الداخلية، وتوثيق مختلف مراحل الإنجاز، واعتماد مؤشرات موضوعية لقياس الأثر، بما ينسجم مع قواعد التدبير المرتكز على النتائج، ويسهم في ترشيد الإنفاق العمومي.
ويؤكد أساتذة القانون العام أن مبدأ الوقاية من تضارب المصالح يمثل أحد المرتكزات الأساسية للحكامة، من خلال ضمان استقلالية المتدخلين في مختلف مراحل إعداد وإبرام وتنفيذ الصفقات، واحترام قواعد النزاهة والحياد المنصوص عليها في المنظومة القانونية الوطنية.
ويخلص المختصون إلى أن الإطار الدستوري والقانوني المغربي يتضمن ضمانات متقدمة في مجال حماية المال العام وتدبير الصفقات العمومية، غير أن فعالية هذه الضمانات تظل مرتبطة بحسن تنزيلها، وتطوير آليات التقييم والتتبع، وتفعيل التوصيات الصادرة عن مؤسسات الرقابة، بما يعزز الشفافية ويرسخ مبادئ الحكامة الجيدة في تدبير الشأن العام.