يواجه قطاع الصحافة والإعلام في المغرب جملة من التحديات المهنية والاقتصادية والمؤسساتية، في ظل تحولات متسارعة فرضتها الرقمنة وتغير عادات الجمهور في استهلاك الأخبار، إلى جانب استمرار النقاش حول ظروف ممارسة المهنة وجودة التكوين وحكامة المقاولات الإعلامية.
ويبرز التكوين الصحافي ضمن أبرز الملفات المطروحة، خصوصاً مع التطور الكبير الذي عرفته مهن الإعلام خلال السنوات الأخيرة. فلم يعد الصحافي يكتفي بالكتابة والتحرير، بل أصبح مطالباً بإتقان التحقق من الأخبار، وإنتاج المحتوى السمعي البصري، وتحليل المعطيات، واستخدام الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي، إلى جانب الالتزام بالقوانين وأخلاقيات المهنة.
وسبق للمجلس الوطني للصحافة أن نظم نقاشاً مهنياً حول واقع وآفاق التكوين الإعلامي، حيث جرى التأكيد على أهمية التكوين المستمر، وعلى وجود تحديات مرتبطة بتعدد مسارات التكوين واختلاف مضامينها.
ولا تتوقف الإشكالات عند التكوين الأساسي، إذ يطرح التكوين المستمر بدوره تحدياً أمام عدد من الصحفيين، خاصة في ظل التطور السريع للأدوات الرقمية وظهور تقنيات جديدة غيرت طريقة جمع المعلومات ومعالجتها ونشرها.
ويرتبط هذا الجانب أيضاً بانتشار المنصات الرقمية، التي جعلت إنتاج المحتوى متاحاً أمام عدد واسع من الفاعلين. وهو ما يفرض تعزيز مهارات التحقق والتمييز بين العمل الصحافي المهني والمحتوى الذي ينتشر عبر شبكات التواصل الاجتماعي دون المرور بالمعايير المهنية المعتادة.
إلى جانب التكوين، تبرز الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للصحفيين كأحد الملفات التي تؤثر في مستقبل المهنة. فهشاشة بعض المقاولات الإعلامية، وضعف الموارد المالية، والمنافسة القوية على الإعلانات والمشاهدات، كلها عوامل تضع المؤسسات أمام ضغوط اقتصادية متزايدة، وقد تنعكس على ظروف اشتغال العاملين فيها.
وتحتاج المقاولة الصحفية، في هذا السياق، إلى نموذج اقتصادي مستدام يضمن استمراريتها ويحافظ في الوقت نفسه على استقلالية القرار التحريري. فالمؤسسة التي تعاني من صعوبات مالية تجد نفسها أمام تحديات مرتبطة بالاستثمار في الموارد البشرية والتكنولوجيا والتكوين، وهي عناصر أصبحت أساسية لاستمرار الإعلام في البيئة الرقمية.
ويطرح تدبير القطاع بدوره أسئلة مرتبطة بالحكامة والشفافية وتكافؤ الفرص. فتنظيم المجال الإعلامي لا يرتبط فقط بالقوانين، وإنما يشمل أيضاً كيفية تدبير المؤسسات، وتطوير مواردها البشرية، وضمان وضوح المعايير المتعلقة بالدعم العمومي والإشهار.
ويظل سوق الإعلانات وتركيز الملكية من الملفات التي تستحق نقاشاً مهنياً وموضوعياً. فتركيز جزء من الموارد الإعلانية أو ملكية وسائل إعلام في يد عدد محدود من الفاعلين قد يثير مخاوف بشأن التعددية، غير أن وصف أي وضع بأنه «احتكار» يحتاج إلى معطيات اقتصادية وقانونية دقيقة، وليس إلى الانطباعات وحدها.
كما يظل الدعم العمومي للصحافة موضوعاً حاضراً في النقاش حول مستقبل القطاع. فالدعم يمكن أن يشكل آلية لمساعدة المقاولات الإعلامية على الاستمرار والحفاظ على مناصب الشغل، لكنه يحتاج في المقابل إلى معايير واضحة وشفافة، بما يضمن تكافؤ الفرص ويحافظ على استقلالية المؤسسات.
أما على مستوى أخلاقيات المهنة، فتواجه الصحافة تحديات مرتبطة بسرعة نشر الأخبار والمنافسة على التفاعل والمشاهدات. ويصبح الالتزام بالتحقق من المعلومات، واحترام الحياة الخاصة، وقرينة البراءة، والتمييز بين الخبر والرأي، عناصر أساسية للحفاظ على ثقة الجمهور.
وتزداد أهمية هذه القواعد مع انتشار الأخبار المضللة والمحتويات غير الموثقة، إذ لم يعد التحدي بالنسبة إلى المؤسسات الإعلامية هو الوصول إلى الجمهور فقط، وإنما إقناعه أيضاً بأن الصحافة المهنية توفر قيمة مضافة تقوم على المصداقية والتحقق والسياق.
وفي المقابل، شهد قطاع الإعلام المغربي جهوداً متواصلة لتطوير التكوين والتنظيم المهني وتأهيل المشهد الإعلامي. كما أن وجود مؤسسات وهيئات مهنية يفتح المجال أمام مواصلة النقاش حول أفضل السبل للارتقاء بالمهنة وتعزيز جودة المحتوى.
ويبدو أن مستقبل الصحافة المغربية يرتبط بقدرتها على معالجة هذه الملفات بشكل متكامل، بدءاً من تطوير التكوين والتكوين المستمر، مروراً بتحسين الظروف المهنية والاجتماعية للصحفيين، ووصولاً إلى تعزيز حكامة المقاولات وشفافية التمويل والإشهار وتشجيع التعددية.
فالصحافة المهنية لا تقوم على الصحافي وحده، ولا على المؤسسة وحدها، وإنما تحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع بين صحافي مؤهل، ومقاولة مستقرة، وتنظيم مهني فعال، وقواعد شفافة للمنافسة والتمويل، ومحتوى يحترم أخلاقيات المهنة.
وبذلك، فإن النقاش حول مستقبل الإعلام المغربي لا ينبغي أن يختزل في سؤال حرية الصحافة فقط، بل يجب أن يشمل أيضاً سؤال جودة التكوين، واستدامة المؤسسات، واستقلالية القرار التحريري، وحماية الصحفيين، وقدرة القطاع على مواكبة التحول الرقمي.
ويبقى التحدي الأساسي هو الانتقال من تشخيص الاختلالات إلى بناء حلول عملية تجعل من الصحافة المغربية قطاعاً أكثر مهنية واستقراراً وقدرة على استعادة ثقة الجمهور ومواكبة التحولات التي يعرفها الإعلام عالمياً.
بقلم – حمزة السعدي