أكد إيغور أليكسييفيتش بيليايف، سفير روسيا الاتحادية لدى المملكة المغربية، أن العلاقات بين الرباط وموسكو تعرف تطوراً مستقراً، يقوم على الاحترام المتبادل والثقة والمصالح المشتركة، مشيراً إلى أن الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، التي تعززت عقب زيارة الملك محمد السادس إلى روسيا سنة 2016، توفر أرضية واسعة لتطوير التعاون في مختلف المجالات.
وأوضح السفير الروسي أن البلدين يتقاسمان عدداً من المبادئ المتعلقة باحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية والالتزام بالقانون الدولي، معتبراً أن هذه المبادئ تزداد أهمية في ظل التحولات التي يشهدها النظام الدولي وتنامي التوجه نحو عالم متعدد الأقطاب.
تعاون اقتصادي واعد
وأشار بيليايف إلى أن التعاون الاقتصادي والتجاري بين المغرب وروسيا يشهد دينامية إيجابية، مبرزاً الدور الذي تلعبه روسيا في تزويد السوق المغربية بالحبوب، مقابل أهمية المغرب كشريك تجاري لروسيا في إفريقيا والعالم العربي، خصوصاً في مجال تصدير المنتجات الفلاحية.
وأكد أن إمكانات التعاون بين البلدين تتجاوز ما تحقق إلى حدود اليوم، مشيراً إلى مجالات يمكن تطويرها مستقبلاً، من بينها الطاقة والصناعة والنقل والاقتصاد الرقمي والاستثمار والتكنولوجيا والصيد البحري والسياحة والتعليم والبحث العلمي والثقافة.
كما لفت إلى تنامي التبادل الإنساني بين البلدين، بما في ذلك ارتفاع عدد الطلبة المغاربة في الجامعات الروسية، والذي تجاوز 4200 طالب في نهاية سنة 2025.
المغرب شريك مهم في الاستراتيجية الروسية تجاه إفريقيا
وبخصوص السياسة الروسية في القارة الإفريقية، قال السفير إن موسكو تنظر إلى إفريقيا باعتبارها أحد المراكز الرئيسية في النظام العالمي المتعدد الأقطاب، مؤكداً أن روسيا تسعى إلى إقامة علاقات مع الدول الإفريقية على أساس المساواة والاحترام المتبادل وعدم فرض نماذج سياسية أو إملاءات خارجية.
وفي هذا السياق، اعتبر المغرب شريكاً مهماً بالنسبة لروسيا، بالنظر إلى موقعه الاقتصادي والجغرافي ودوره داخل عدد من المنظمات الإقليمية والدولية، فضلاً عن علاقاته المتنامية مع دول إفريقيا جنوب الصحراء.
وأضاف أن موسكو تراهن على تعزيز التعاون مع الرباط في مجالات الأمن الغذائي والطاقة والزراعة والنقل والتكنولوجيا الرقمية والتعليم والصحة والبحث العلمي.
قمة روسيا–إفريقيا
وفي ما يتعلق بالقمة الثالثة «روسيا–إفريقيا»، المرتقب تنظيمها في موسكو خلال أكتوبر من العام المقبل، اعتبر بيليايف أن هذا الحدث سيكون مناسبة لتعزيز الشراكة الروسية الإفريقية وتطوير مشاريع واتفاقيات جديدة في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والصناعية والعلمية والإنسانية.
وأشار إلى أن القمة ستولي أهمية خاصة لقضايا الأمن الغذائي والطاقة والتحول الرقمي وتكوين الكفاءات وتطوير آليات مالية مستقلة وتسوية المبادلات بالعملات الوطنية.
كما أكد أن روسيا تتطلع إلى مشاركة مغربية فعالة في هذا الموعد.
موقف موسكو من قضية الصحراء
وبشأن قضية الصحراء، جدد السفير الروسي التأكيد على أن موقف موسكو يقوم على دعم تسوية سياسية ودبلوماسية في إطار المسار الذي ترعاه الأمم المتحدة.
وأوضح أن روسيا تدعم الدور المركزي لمجلس الأمن والمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة والبعثة الأممية «مينورسو» في البحث عن حل سياسي مقبول للأطراف، مشدداً على أن نجاح المفاوضات يتطلب أجواء بناءة قائمة على الاحترام المتبادل والاستعداد لتقديم التنازلات.
وفي ما يتعلق بالتوتر القائم بين المغرب والجزائر، أكد بيليايف أن موسكو تحافظ على علاقات مع مختلف دول المنطقة المغاربية، ولا ترغب في بناء علاقاتها مع دولة على حساب أخرى.
وقال إن روسيا لا تسعى إلى الانخراط في الخلافات الإقليمية، لكنها مستعدة لدعم الجهود الدولية الرامية إلى خفض التوتر وتعزيز الحوار، مؤكداً أن مصلحة موسكو تتمثل في رؤية شمال إفريقيا منطقة يسودها الاستقرار والتعاون والتنمية.
إشادة بالموقف المغربي من الأزمة الأوكرانية
وفي ما يخص الحرب في أوكرانيا، أشاد السفير الروسي بما وصفه بالموقف المغربي «المحايد والمتزن»، مؤكداً احترام موسكو لحق الدول في تحديد سياساتها الخارجية وفقاً لمصالحها الوطنية.
وأضاف أن روسيا تنظر بإيجابية إلى النهج المغربي المستقل والمتوازن تجاه الأزمة الأوكرانية.
وبخصوص أمن الملاحة في البحر الأسود وبحر آزوف، حمّل السفير السلطات الأوكرانية وحلفاءها الغربيين مسؤولية ما وصفه بتصعيد الهجمات على السفن المدنية والبنية التحتية للنقل، معتبراً أن هذه التطورات قد تؤثر في حركة الإمدادات الزراعية والغذائية نحو عدد من الدول، بما فيها دول شمال إفريقيا.
الطلبة المغاربة في الجامعات الروسية
وفي الجانب التعليمي، أكد بيليايف أن عدد المغاربة الراغبين في متابعة دراستهم بروسيا يشهد ارتفاعاً مستمراً، مشيراً إلى تنوع التخصصات المتاحة، خصوصاً الطب والهندسة وتكنولوجيا المعلومات والطاقة والزراعة والعلوم الطبيعية والإنسانية.
وأوضح أن الحكومة الروسية توفر سنوياً منحاً وحصصاً للتعليم المجاني للطلاب الأجانب، إلى جانب برامج لتعلم اللغة الروسية والتبادل الأكاديمي والثقافي.
واعتبر السفير أن الطلبة المغاربة الذين يتخرجون من الجامعات الروسية يمكن أن يشكلوا جسوراً لتعزيز العلاقات بين البلدين، من خلال مساهمتهم مستقبلاً في تطوير التعاون الأكاديمي والاقتصادي والعلمي.
التحويلات المالية للطلبة
وفي ما يتعلق بالصعوبات التي يواجهها الطلبة المغاربة في تحويل الأموال إلى روسيا بسبب العقوبات المفروضة على موسكو، أقر السفير بوجود تأثيرات على التحويلات المصرفية، مؤكداً أن السفارة الروسية تعمل بالتنسيق مع الجامعات والجهات المختصة والشركاء المغاربة لمعالجة الحالات المطروحة.
وأوضح أن كل حالة تتم معالجتها بشكل منفصل، مع توفير الدعم والمعلومات والتنسيق الضروري لضمان استمرار الطلاب في دراستهم.
كما أشار إلى تطوير روسيا لوسائل دفع بديلة لفائدة المواطنين الأجانب، من بينها نظام «Pay in Russia»، الذي يسمح للأجانب بالاستفادة من بطاقات مصرفية وخدمات دفع رقمية داخل الأراضي الروسية.
وأكد أن توسيع استخدام أنظمة الدفع الوطنية والخدمات المصرفية الرقمية والقنوات البديلة للتحويلات من شأنه أن يقلل من تأثير القيود الخارجية، ويساهم في تسهيل الحياة اليومية للطلبة الأجانب.
وفي ختام حديثه، شدد السفير الروسي على أن موسكو تنظر إلى العلاقات مع المغرب باعتبارها شراكة طويلة الأمد، مؤكداً استعداد بلاده لمواصلة تطوير التعاون الثنائي في مختلف المجالات، بما يخدم مصالح الشعبين ويعزز الاستقرار والتعاون في المنطقة.
