العالم السياسي
الرباط
تدخل فاطمة الزهراء المنصوري مرحلة جديدة في مسارها السياسي، بعد تعيينها رئيسة للحكومة، في ظرف وطني دقيق تتقاطع فيه التحولات الاقتصادية والاجتماعية مع رهانات كبرى تهم مستقبل البلاد وموقعها الإقليمي والدولي. وهي مهمة تأتي في سياق تتزايد فيه انتظارات المواطنين، وتتسع فيه الحاجة إلى سياسات عمومية أكثر نجاعة ووضوحاً، قادرة على تحويل المشاريع والبرامج إلى نتائج ملموسة في الحياة اليومية.
ولا تبدو مهمة الحكومة الجديدة سهلة، بالنظر إلى حجم الملفات المطروحة أمامها، بدءاً من تعزيز النمو والاستثمار، مروراً بتحسين الخدمات العمومية ودعم التشغيل، وصولاً إلى التعامل مع ملف القدرة الشرائية الذي أصبح واحداً من أكثر القضايا حضوراً في النقاش العمومي. فالمواطن المغربي لا ينظر اليوم إلى الأداء الحكومي من زاوية الخطابات والوعود فقط، وإنما يقيسه بما يلمسه في الأسواق، وفي فواتير الاستهلاك، وفي المدرسة والمستشفى ووسائل النقل، وفي قدرته على تأمين حياة كريمة لأسرته.
وفي هذا السياق، يفرض ارتفاع تكاليف المعيشة نفسه باعتباره أحد أبرز التحديات التي ستواجه الحكومة. فالضغط الذي تعرفه ميزانيات الأسر يجعل معالجة ملف الأسعار مسألة تتجاوز بعدها الاقتصادي لتصبح قضية ذات أبعاد اجتماعية وسياسية واضحة. ومن ثم، فإن المطلوب لن يكون مجرد إجراءات ظرفية، بل رؤية متكاملة تجمع بين دعم القدرة الشرائية، وتحفيز الإنتاج، وتقوية المنافسة، ومراقبة الأسواق، وتوجيه الدعم نحو الفئات الأكثر حاجة.
ويعيد هذا النقاش إلى الواجهة موضوع صندوق المقاصة ومنظومة الدعم بشكل عام. فالمغرب قطع أشواطاً في الانتقال من الدعم العام إلى آليات أكثر استهدافاً، غير أن استمرار الضغوط على الأسر يجعل النقاش حول فعالية هذه المنظومة أمراً طبيعياً. والتحدي الحقيقي أمام الحكومة لا يكمن بالضرورة في العودة إلى نماذج الدعم السابقة، وإنما في إيجاد معادلة تحقق التوازن بين حماية المواطن والحفاظ على التوازنات المالية للدولة، بما يضمن استدامة السياسات الاجتماعية وعدم تحميل المالية العمومية أعباء يصعب تحملها مستقبلاً.
وفي المقابل، تقف الحكومة أمام ورش وطني استثنائي يتمثل في الاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030. فهذا الحدث لا يمثل مجرد موعد رياضي، وإنما يشكل فرصة لتسريع عدد من الأوراش المرتبطة بالبنية التحتية والنقل والسياحة والاستثمار والتنمية الحضرية. غير أن نجاح هذا الرهان سيظل مرتبطاً بمدى قدرة الدولة على تحويل الاستثمارات المرتبطة بالمونديال إلى مكاسب تنموية طويلة الأمد يستفيد منها المواطن، وليس فقط إلى مشاريع مرتبطة بموعد محدد.
ومن هنا، فإن ما يسمى بـ«حكومة المونديال» ستكون أمام مسؤولية مزدوجة: إنجاح الاستحقاق الدولي من جهة، وضمان ألا تطغى المشاريع الكبرى على الأولويات الاجتماعية والاقتصادية اليومية من جهة أخرى. فالمعادلة الحقيقية تكمن في تحقيق التنمية دون إغفال العدالة الاجتماعية، وفي الاستثمار في المستقبل دون تجاهل الحاجيات الآنية للمواطنين.
ويبقى ملف الشباب والتشغيل من أكثر الملفات التي تحتاج إلى مقاربة عملية وجريئة. فالشباب المغربي يبحث عن فرص حقيقية للاندماج الاقتصادي، وعن تكوين يتلاءم مع متطلبات سوق الشغل، وعن بيئة تشجع على المبادرة والاستثمار. ولذلك فإن أي سياسة اقتصادية لن تكتمل فعاليتها ما لم تنعكس على سوق العمل، وتساهم في خلق فرص شغل مستقرة، وتدعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتفتح المجال أمام الطاقات والكفاءات الشابة.
كما أن إصلاح الخدمات العمومية سيظل معياراً أساسياً في تقييم الأداء الحكومي. فالمواطن يريد مدرسة أفضل، ومستشفى أكثر نجاعة، وإدارة أسرع وأكثر شفافية، ونقلاً عمومياً يستجيب لحاجياته. وهذه الملفات، رغم طابعها اليومي، تحمل في عمقها سؤال الثقة في المؤسسات، لأن العلاقة بين المواطن والدولة تتشكل بدرجة كبيرة من خلال جودة الخدمات التي تقدمها له.
وفي خضم كل هذه التحديات، سيكون التواصل الحكومي بدوره عنصراً أساسياً. فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى خطاب واضح وواقعي، يشرح للمواطنين طبيعة القرارات والإكراهات، ويقدم الأرقام والمعطيات، ويعترف بمواطن الخلل عندما تكون موجودة، ويقيس النتائج بدل الاكتفاء بالإعلان عن البرامج.
إن حكومة فاطمة الزهراء المنصوري لا تواجه تحدياً واحداً، بل مجموعة من التحديات المتداخلة: القدرة الشرائية، التشغيل، الخدمات العمومية، الاستثمار، الإصلاحات الاجتماعية، والاستعداد للمواعيد الدولية الكبرى. والنجاح في تدبير هذه الملفات لن يكون مرتبطاً بكثرة المشاريع أو قوة الخطاب السياسي، وإنما بقدرة الحكومة على ترتيب الأولويات، وتسريع التنفيذ، وربط المسؤولية بالمحاسبة والنتائج.
لقد دخل المغرب مرحلة جديدة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وأصبح مطلوباً من العمل الحكومي أن يكون أكثر قرباً من المواطن وأكثر ارتباطاً بالنتائج. وبين طموح تنظيم كأس العالم 2030، وانتظارات الشارع، وضغط الأسعار، وحاجة الشباب إلى فرص حقيقية، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً مهماً لقدرة الحكومة على الجمع بين الطموح الوطني والاستجابة للمطالب الاجتماعية.
وفي نهاية المطاف، سيظل الحكم على أي تجربة حكومية مرتبطاً بما تتركه من أثر في حياة المواطنين. فالمواطن لا يبحث فقط عن المشاريع الكبرى، وإنما يريد أن يشعر بأن التنمية وصلت إلى بيته وحيه ومدينته، وأن الإصلاحات تحولت إلى واقع ملموس، وأن الدولة قادرة على حماية قدرته الشرائية وتحسين خدماتها وفتح آفاق جديدة أمام أبنائها.
وهذا هو التحدي الحقيقي الذي ينتظر حكومة فاطمة الزهراء المنصوري: أن تجعل من مرحلة الرهانات الكبرى فرصة لترسيخ التنمية وتعزيز الثقة، وأن تضع المواطن واحتياجاته في صميم القرار العمومي.
بقلم: الأستاذ محمد عيدني – فاس
إعلامي متخصص
