الرباط_ تعود قضايا حقوق الإنسان في المغرب إلى واجهة النقاش الدولي، عقب تقرير جديد نُسب إلى منظمة العفو الدولية وصدر بتاريخ فاتح أكتوبر 2026، تناول ما وصفته المنظمة بمنظومة من وسائل المراقبة الرقمية والتقليدية، قالت إنها استُخدمت لاستهداف صحفيين ونشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان.
وأعاد التقرير فتح النقاش بشأن حرية التعبير وحماية الحياة الخاصة، وحدود استخدام التكنولوجيا في المجال الأمني، فضلاً عن المسؤوليات القانونية والأخلاقية المرتبطة بتطوير أدوات المراقبة وتسويقها واستخدامها.
ويأتي هذا النقاش في سياق دولي يتسم بتزايد المخاوف من تأثير برامج التجسس والتقنيات الرقمية المتطورة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي على الحقوق والحريات الأساسية. ومع اتساع قدرات جمع البيانات وتحليلها وتتبع الاتصالات، تتعزز الدعوات إلى إرساء ضمانات قانونية ومؤسساتية تحول دون توظيف التكنولوجيا بطرق قد تمس بالخصوصية أو تحد من حرية التعبير.بحسب المعطيات الواردة في المقال الأصلي، أصدرت منظمة العفو الدولية، في الأول من أكتوبر 2026، تقريراً بعنوان «نبدأ بالحكم: داخل منظومة المراقبة في المغرب»، تناول مجموعة من الوسائل التقنية والتقليدية التي قالت المنظمة إنها استُخدمت لمراقبة صحفيين ونشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان.
ووفقاً لما أورده المقال، استند التقرير إلى شهادات، من بينها شهادة شخص قُدّم باعتباره موظفاً سابقاً في جهاز أمني، فضلاً عن مقابلات مع أشخاص قالوا إنهم تعرضوا للمراقبة، وتحليلات تقنية ووثائق وبيانات مرتبطة بتكنولوجيا التجسس.ولا يقتصر نطاق التقرير، وفقاً للمضمون المنقول عنه، على برنامج «بيغاسوس»، بل يشمل أساليب أخرى محتملة للمراقبة، من بينها اختراق الأجهزة الإلكترونية، واعتراض الاتصالات، وتتبع المواقع، واستخدام وسائل تسجيل خفية.كما أشار التقرير إلى حالات يُشتبه في استهدافها، شملت صحفيين ومحامين ونشطاء وشخصيات سياسية، استناداً إلى معطيات قالت المنظمة إنها توصلت إليها خلال تحقيقها.وتثير هذه الادعاءات تساؤلات بشأن مدى احترام الضمانات القانونية المنظمة لعمليات المراقبة، وحدود تدخل السلطات في الحياة الخاصة، والآليات المتاحة للتحقق من أي استخدام غير مشروع للتقنيات الرقمية.غير أن المعالجة الصحفية الدقيقة تقتضي التمييز بين الادعاءات الواردة في التقارير الحقوقية والوقائع التي ثبتت بصورة مستقلة أو حُسمت بشأنها أحكام قضائية. فوجود رقم هاتف ضمن قائمة مرتبطة باستهداف محتمل لا يثبت، في حد ذاته، نجاح اختراق الجهاز، كما أن تحديد المسؤولية القانونية يستلزم فحص الأدلة التقنية والظروف المحيطة بكل حالةتحتل حماية الصحفيين ومصادرهم موقعاً محورياً في النقاش الذي أثاره التقرير، بالنظر إلى الارتباط الوثيق بين حرية العمل الصحفي وسرية الاتصالات والقدرة على الوصول إلى المعلومات.فالصحفي الذي يحقق في قضايا الفساد أو تدبير الشأن العام أو الانتهاكات المحتملة يحتاج إلى بيئة مهنية تتيح له البحث والتحقيق والتواصل الآمن مع مصادره، بعيداً عن مخاطر الكشف غير المشروع عن هوياتها أو تعريضها لضغوط قد تثنيها عن تقديم المعلومات.وأي مساس غير قانوني بسرية الاتصالات لا تقتصر آثاره على الصحفي المعني، بل قد تمتد إلى الشهود والمصادر والأشخاص الذين يقدمون معلومات تخدم المصلحة العامة. وقد يؤدي ذلك إلى تراجع الاستعداد للإبلاغ عن الاختلالات، بما ينعكس سلباً على قدرة الصحافة على أداء دورها الرقابي.وفي هذا السياق، أشار المقال الأصلي إلى أن لجنة حماية الصحفيين دعت، في موقف منسوب إليها بتاريخ الأول من أكتوبر 2026، السلطات المغربية إلى وقف المراقبة غير القانونية للصحفيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات المزعومة. ويظل الرجوع إلى المصدر الأصلي لهذا الموقف ضرورياً للتحقق من تفاصيله قبل اعتمادها بوصفها معطيات موثقة.وتعيد هذه التطورات طرح سؤال أساسي: كيف يمكن التوفيق بين متطلبات الأمن العام، من جهة، وضمان حرية الصحافة وحماية المعطيات الشخصية، من جهة أخرى؟من حيث المبدأ، لا يتعارض الحفاظ على الأمن مع احترام حقوق الإنسان، غير أن مشروعية المراقبة تقتضي وجود أساس قانوني واضح، وأن يكون الإجراء ضرورياً ومتناسباً مع الهدف المشروع، مع إخضاعه للرقابة المناسبة، ولا سيما القضائية، وفقاً للقوانين والضمانات المعمول بها.
أعاد التقرير تسليط الضوء على برنامج «بيغاسوس»، الذي أثار خلال السنوات الماضية نقاشاً دولياً واسعاً بشأن استخدام برامج التجسس المتقدمة ضد الصحفيين والسياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان.وتقول منظمة العفو الدولية إن الأدلة والشهادات والتحليلات التقنية التي جمعتها تدعم استنتاجاتها بشأن استخدام أدوات مراقبة ضد أشخاص داخل المغرب وخارجه. غير أن تقييم هذه الادعاءات يقتضي إخضاع المعطيات التقنية للفحص المستقل، والتمييز بين وجود مؤشرات على الاستهداف وإثبات الاختراق الفعلي، فضلاً عن تحديد الجهة المسؤولة عنه.ولا تقتصر الإشكالية على الجهات التي قد تستخدم هذه الأدوات، بل تمتد أيضاً إلى الشركات التي تطورها وتسوقها، والوسطاء الذين يوفرون خدماتها، والدول التي تصدرها أو تنظم تداولها.فالتقنيات التي يمكن توظيفها في التحقيق في الجرائم الخطيرة قد تتحول، في حال استخدامها خارج الضوابط القانونية، إلى أدوات للمساس بالخصوصية وتقييد الحريات. ولهذا، أصبحت مسؤولية الشركات في احترام حقوق الإنسان محوراً مهماً في النقاش الدولي حول العلاقة بين التكنولوجيا والأعمال التجارية.ويستدعي ذلك تعزيز إجراءات التحقق من المستخدمين النهائيين، وتقييم مخاطر إساءة الاستخدام، ووضع آليات فعالةللمراقبة والمساءلة، إلى جانب توفير سبل الانتصاف للأشخاص الذين يثبت تعرضهم لانتهاكات.وفي المقابل، تظل الدقة ضرورية عند تحديد المسؤوليات، إذ لا يكفي إثبات وجود تقنية معينة أو رصد مؤشر تقني للانتقال تلقائياً إلى استنتاج نهائي بشأن هوية المستخدم أو قانونية العملية.
يطرح التقرير مجموعة من التساؤلات المتعلقة بالإطار القانوني المنظم لعمليات المراقبة، والجهات المخولة بممارستها، والضمانات المتاحة للأفراد الذين يشتبهون في تعرضهم لتجاوزات تمس حياتهم الخاصة أو اتصالاتهم.
ووفقاً لما أورده المقال الأصلي، نقلاً عن المنظمة، فقد راسلت منظمة العفو الدولية السلطات المغربية قبل نشر التقرير، وقالت إنها لم تتلق رداً. كما أشار المقال إلى أن السلطات المغربية سبق أن نفت اتهامات مرتبطة باستخدام برامج التجسس ضد مواطنين.وتقتضي المعالجة المتوازنة عرض مواقف الأطراف المعنية بدقة، والتمييز بين الادعاءات الحقوقية والردود الرسمية، مع إتاحة المجال للتحقق من الوقائع والأدلة التي يستند إليها كل طرف.فالتقارير الحقوقية قد تثير قضايا جدية تستحق التحقيق، لكنها لا تعفي من ضرورة التحقق المستقل من المعطيات وتحديد المسؤوليات وفقاً للقانون. وفي المقابل، فإن النفي الرسمي، في القضايا التي تتضمن ادعاءات تقنية محددة، لا يغني عن تقديم التوضيحات اللازمة متى توفرت أدلة قابلة للفحص.ومن هنا، تبرز أهمية الشفافية المؤسساتية في توضيح حدود الصلاحيات القانونية، والإجراءات المعتمدة لحماية الخصوصية، والجهات المكلفة بمراقبة مشروعية استخدام تقنيات التجسس.كما أن فتح تحقيق مستقل، متى توفرت عناصر جدية تستدعي ذلك، من شأنه أن يسهم في تحديد الوقائع والمسؤوليات، وتعزيز الثقة في المؤسسات، وتفادي تحول النقاش الحقوقي إلى مواجهة بين الجهات الرسمية والمنظمات المدنية.
على المستوى الدولي، أشار المقال الأصلي إلى اختتام الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، بتاريخ 7 أكتوبر 2026، مع اعتماد قرارات تناولت قضايا حقوقية متعددة، من بينها موضوعات مرتبطة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.وتعكس هذه القضايا اتساع النقاش الدولي بشأن تأثير التحول الرقمي على الحقوق الأساسية، بعدما لم تعد التحديات مقتصرة على الانتهاكات التقليدية، بل باتت تشمل جمع البيانات الشخصية وتحليلها، والتعرف على الأشخاص، والمراقبة الرقمية، والمخاطر المحتملة للتمييز الخوارزمي.فقد تتيح أنظمة الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة إمكانات مهمة في مجالات الأمن والخدمات العامة والبحث العلمي، لكنها تثير، في الوقت نفسه، تساؤلات بشأن حماية الخصوصية، وشفافية القرارات الآلية، ومدى كفاية الضمانات المتاحة لمنع إساءة استخدام البيانات.ومن ثم، يتمثل التحدي أمام الدول في تطوير تشريعات وآليات رقابة تواكب التطور التكنولوجي، من دون المساس بالحقوق والحريات التي يكفلها القانون الدولي لحقوق الإنسان.ويتعين، قبل النشر، الرجوع إلى السجل الرسمي للدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان للتحقق من تاريخ اختتامها وعدد القرارات المعتمدة ومضامينها الدقيقة.
بين التقارير الحقوقية والردود الرسمية.. ضرورة الحوار المسؤوللا ينبغي أن يتحول التعامل مع التقارير الدولية إلى مجرد سجال بين مؤيد ومعارض، كما لا يصح تبني جميع الاستنتاجات الواردة فيها من دون تمحيص. فالمعالجة الحقوقية والمهنية الرصينة تقوم على فحص الأدلة، والاستماع إلى الأطراف المعنية، واحترام قرينة البراءة، والتمييز بين الوقائع المثبتة والادعاءات التي ما زالت تحتاج إلى التحقق.وفي الحالة المغربية، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل النقاش المتعلق بتعزيز دولة القانون، وحماية الحريات الفردية والجماعية، وتطوير العلاقة بين المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني ووسائل الإعلام.ولا يمكن اختزال وضع حقوق الإنسان في تقرير واحد، كما لا يمكن تجاهل الادعاءات الجدية لمجرد صدورها عن منظمة دولية. والمطلوب هو إخضاع المعطيات للفحص الموضوعي، وتوفير إجابات واضحة، وضمان استقلالية التحقيق عند الاقتضاء.ويظل الحوار المؤسساتي المسؤول مدخلاً ضرورياً لتوضيح الوقائع، وتعزيز الثقة، وتطوير الضمانات القانونية التي تحمي الأفراد من المراقبة غير المشروعة، وتكفل للصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان ممارسة مهامهم في بيئة تحترم الحقوق والحريات.فحماية هذه الفئات لا تقتصر على ضمان سلامتها المهنية، بل ترتبط أيضاً بحق المجتمع في الوصول إلى المعلومات، ومراقبة تدبير الشأن العام، والمشاركة في النقاش العمومي بحرية ومسؤولية.
أعاد التقرير المنسوب إلى منظمة العفو الدولية ملف المراقبة الرقمية وحرية الصحافة في المغرب إلى واجهة النقاش الحقوقي، وطرح تساؤلات بشأن حماية الخصوصية، وحدود استخدام التكنولوجيا، والضمانات القانونية اللازمة لمنع إساءة استعمالها.غير أن الأهمية الحقيقية لهذا النقاش لا تكمن في حدة التصريحات أو حجم التفاعل الإعلامي، بل في القدرة على التحقق من الوقائع، وتحديد المسؤوليات، واحترام القانون، وضمان حق المتضررين في الإنصاف.وبالنسبة إلى المغرب، فإن التعامل الواضح مع الادعاءات المطروحة، وتعزيز الرقابة المستقلة، وتوفير ضمانات فعالة لحماية الحياة الخاصة وحرية التعبير، من شأنه أن يسهم في تبديد المخاوف وتعزيز الثقة في المؤسسات.وفي المقابل، تتحمل المنظمات الحقوقية ووسائل الإعلام مسؤولية عرض المعطيات بدقة، والتمييز بين الادعاءات والوقائع المثبتة، واحترام حق جميع الأطراف في الرد.إن حقوق الإنسان ليست مجرد شعار سياسي أو موضوع ظرفي للاستهلاك الإعلامي، بل هي منظومة من الالتزامات القانونية والأخلاقية التي تتجسد قيمتها في الممارسة الفعلية. ويظل المعيار الأساسي هو مدى قدرة المؤسسات على حماية كرامة الإنسان وحريته وخصوصيته، وضمان ألا يتحول التطور التكنولوجي إلى وسيلة للمساس بحقوقه الأساسية.