لم يعد حلم الهجرة لدى بعض الشباب المغاربة مجرد رغبة في اكتشاف آفاق جديدة أو تحسين ظروف العيش، بل أصبح، بالنسبة إلى فئات منهم، تعبيرًا عن شعور متزايد بصعوبة بناء مستقبل مستقر في ظل البطالة ومحدودية فرص الإدماج المهني والاجتماعي. وتعيد قصص القاصرين المغاربة الذين يصلون إلى مدينة سبتة سباحةً، معرضين حياتهم للخطر، تسليط الضوء على واقع اجتماعي يطرح أسئلة عميقة بشأن انتظارات الشباب، ومدى قدرة السياسات العمومية على الاستجابة لتطلعاتهم. ومن بين هذه القصص حكاية شاب مغربي يبلغ 17 عامًا، ينحدر من تطوان، وكان يساعد والده في مهنة الجزارة، قبل أن يقرر عبور البحر نحو سبتة، على أمل العثور على فرصة تمنحه مستقبلًا أفضل. غير أن الرحلة التي اعتقد أنها لن تستغرق سوى أسابيع قليلة تحولت إلى تجربة قاسية، وجد خلالها نفسه في مواجهة التشرد وقلة الموارد وصعوبات الحياة اليومية بعيدًا عن أسرته. وتكشف مثل هذه الحالات أن الوصول إلى الضفة الأخرى لا يعني بالضرورة بلوغ الأمان أو تحقيق الحلم، خصوصًا بالنسبة إلى القاصرين الذين قد يجدون أنفسهم في أوضاع هشة، تفتقر إلى الحماية الأسرية والاجتماعية، وتعرضهم لمخاطر الاستغلال والعنف.
البطالة وتراجع الأمل في المستقبل
تظل البطالة وصعوبة الولوج إلى سوق الشغل من أبرز التحديات التي تواجه الشباب المغربي، إلى جانب الفوارق المجالية والاجتماعية التي تجعل فرص التكوين والعمل متفاوتة بين الجهات والفئات.ولا تتوقف الإشكالية عند غياب فرص الشغل، بل تمتد إلى صعوبة الانتقال من التعليم إلى الحياة المهنية، وعدم توافق بعض التكوينات مع متطلبات سوق العمل، فضلًا عن التحديات التي تواجه الشباب الراغبين في إطلاق مشاريعهم الخاصة.وفي ظل هذه الظروف، قد يشعر بعض الشباب بأن سنوات الدراسة والشهادات التي حصلوا عليها لا تضمن لهم الاستقلال المادي أو تحقيق تطلعاتهم، وهو ما يدفعهم إلى التفكير في الهجرة باعتبارها بديلًا محتملًا، رغم المخاطر التي تنطوي عليها.وتزداد هذه التحديات حدة عندما يتعلق الأمر بالشباب المنحدرين من أسر محدودة الدخل أو من مناطق تعاني ضعف العرض الاقتصادي والاجتماعي، حيث تصبح فرص الحصول على عمل مستقر أو متابعة التكوين أكثر صعوبة.
القاصرون في مواجهة مخاطر الهجرة
تكتسي هجرة القاصرين أهمية خاصة، بالنظر إلى ما تطرحه من تحديات إنسانية وقانونية واجتماعية. فالأطفال الذين يصلون إلى وجهات الهجرة من دون مرافقة أسرهم يحتاجون إلى حماية خاصة، تضمن سلامتهم الجسدية والنفسية وتحول دون تعرضهم للاستغلال أو العنف.وتزداد المخاطر عندما يجد هؤلاء أنفسهم في الشوارع أو في أماكن غير ملائمة للإقامة، بعيدًا عن الرعاية الأسرية والخدمات الأساسية.ومن ثم، فإن التعامل مع هذه الظاهرة لا ينبغي أن يقتصر على مراقبة الحدود أو معالجة حالات العبور غير النظامي، بل يتطلب أيضًا تعزيز آليات حماية الطفولة، وتوفير المواكبة الاجتماعية والنفسية، وضمان التنسيق بين المؤسسات المعنية في المغرب وإسبانيا، بما يحفظ المصلحة الفضلى للقاصرين.كما تبرز أهمية دور الأسرة والمدرسة ومؤسسات التنشئة الاجتماعية في رصد حالات الانقطاع الدراسي والهشاشة، وتوفير الدعم اللازم قبل أن تتحول الصعوبات اليومية إلى شعور بالانسداد وفقدان الأمل.
الشباب في صلب السياسات العمومية
أعاد الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية التأكيد على أهمية وضع قضايا الشباب في صلب السياسات العمومية، في سياق تتزايد فيه الحاجة إلى حلول عملية تستجيب لتطلعات الأجيال الجديدة.ويطرح هذا التوجه مسؤولية مشتركة أمام الحكومة والبرلمان والجماعات الترابية والقطاع الخاص، من أجل توسيع فرص التشغيل، وتحسين جودة التكوين، وتيسير ولوج الشباب إلى المبادرة المقاولاتية، وتعزيز العدالة المجالية في توزيع الاستثمارات والخدمات.كما أن توفير فرص الشغل لا ينفصل عن تحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وتطوير النقل والبنيات الأساسية، وتسهيل الولوج إلى المرافق العمومية، خصوصًا في المناطق التي تعاني خصاصًا في التجهيزات والخدمات.فالشباب لا يبحثون عن دخل مادي فقط، بل يتطلعون أيضًا إلى بيئة تتيح لهم تحقيق الاستقلالية، والشعور بالكرامة، والمشاركة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وبناء مستقبل واضح المعالم.
من الوعود إلى الحلول الملموسة
رغم المؤشرات الإيجابية التي يسجلها الاقتصاد الوطني في عدد من القطاعات، فإن التحدي الأساسي يتمثل في ضمان انعكاس النمو الاقتصادي على الحياة اليومية للمواطنين، من خلال خلق فرص عمل مستدامة وتوسيع قاعدة المستفيدين من التنمية.ويتطلب ذلك دعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتشجيع الاستثمار المنتج في الجهات، وربط التكوين بحاجيات سوق الشغل، إلى جانب تطوير برامج المواكبة والإدماج لفائدة الشباب الذين يواجهون صعوبات في الحصول على أول فرصة مهنية.كما تبرز الحاجة إلى تقييم برامج التشغيل والتكوين بصورة منتظمة، وقياس أثرها الفعلي على الفئات المستهدفة، بدل الاكتفاء بالأرقام الإجمالية أو الإعلانات المتعلقة بإطلاق المبادرات.وفي هذا السياق، يمكن للبرلمان أن يؤدي دورًا مهمًا من خلال مراقبة السياسات الحكومية، وتتبع تنفيذ البرامج الموجهة للشباب، ومساءلة الجهات المعنية بشأن النتائج المحققة ومدى استفادة الفئات الهشة منها.
مستقبل الشباب مسؤولية مجتمعية مشتركة
إن قصص الشباب الذين يخاطرون بحياتهم للوصول إلى سبتة أو غيرها من الوجهات لا ينبغي أن تُقرأ فقط من زاوية الهجرة، بل باعتبارها دعوة إلى فهم الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تقف وراء هذه القرارات. فالحاجة إلى العمل والكرامة والأمان الاجتماعي تطلعات مشروعة، والاستجابة لها تتطلب سياسات متكاملة تتجاوز الحلول الظرفية، وتمنح الشباب فرصًا حقيقية للمشاركة في التنمية. كما أن حماية القاصرين من مخاطر الهجرة تستدعي مقاربة إنسانية تضع سلامتهم ومصلحتهم الفضلى في المقدمة، وتعمل على توفير بدائل واقعية أمامهم وأمام أسرهم.
وفي النهاية، فإن الرهان الحقيقي لا يتمثل فقط في الحد من الهجرة، بل في بناء واقع يمنح الشباب المغربي أسبابًا كافية للتمسك بمستقبله داخل وطنه، ويجعل الأمل في حياة كريمة فرصة متاحة، لا حلمًا مؤجلًا أو رحلة محفوفة بالمخاطر.