لقد تغيّرت قواعد اللعبة في العالم، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي أحد أبرز الفاعلين في المشهد السياسي المعاصر، بعدما نجحت في إعادة تشكيل العلاقة بين المواطن وصانع القرار. فلم تعد السياسة حكرًا على المؤسسات التقليدية، بل أصبح الفضاء الرقمي مجالًا جديدًا للتعبير والمشاركة والتأثير، مما جعل هذه الوسائل عنصرًا أساسيًا في فهم التحولات السياسية الحديثة.
فاصناعة القرار السياسي في العصر الرقمي لم تعدحكرًا على الاجتماعات المغلقة خلف الأبواب الموصدة، أو نتاجًا خالصًا لتقارير مراكز الفكر والتقديرات الاستخباراتية التقليدية. في غضون سنوات قليلة، نجحت منصات التواصل الاجتماعي في نقل مركز الثقل السياسي من المؤسسات الرسمية إلى “الفضاءات الافتراضية”، لتتحول “الخوارزميات” والهاشتاغات المتصدرة إلى شريك غير مرئي، بل وصانع أساسي لتوجهات الحكومات ورؤساء الدول
هذا التحول الجذري بات مادة دسمة لعلماء السياسة، والاجتماع الرقمي، ومراكز الأبحاث الدولية التي تحاول فك شفرة هذا “الواقع الجديد”. فكيف أعادت المنصات الرقمية تشكيل السياسة وصناعة القرار؟ وما هي القضايا الدولية التي أثبتت أن الشاشات الصغيرة باتت تحكم العالم؟ أعادت المنصات الرقمية تشكيل السياسة وصناعة القرار عبر تحويل الرأي العام من متلقٍ للقرارات إلى فاعل مؤثر في صياغتها وتوجيهها. فبفضل سرعة انتشار المعلومات وإمكانية قياس توجهات الجمهور لحظة بلحظة، أصبحت الحكومات والأحزاب السياسية تراقب الفضاء الرقمي باعتباره مؤشراً مباشراً لنبض الشارع. كما ساهمت الخوارزميات في تحديد القضايا الأكثر تداولاً وتأثيراً، الأمر الذي منح المنصات الرقمية دوراً متزايداً في ترتيب الأولويات السياسية وصناعة الأجندة العامة. وتؤكد الدراسات الحديثة حجم هذا التحول؛ إذ أظهرت دراسة دولية منشورة في مجلة Frontiers in Political Science أن 68.3% من المشاركين انخرطوا في أنشطة سياسية رقمية، مقابل 34.7% فقط شاركوا في أنشطة سياسية تقليدية على أرض الواقع، ما يعكس انتقال جزء كبير من الفعل السياسي إلى الفضاء الرقمي.كما كشفت بيانات صادرة عن European Parliament أن 65% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً يعتمدون على وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها المصدر الرئيسي للمعلومات السياسية والاجتماعية، وهو ما يجعل هذه المنصات مؤثراً مباشراً في تشكيل الوعي السياسي للأجيال الجديدة.أما على مستوى القضايا الدولية، فقد برز تأثير وسائل التواصل الاجتماعي بوضوح خلال أحداث الربيع العربي، حيث ساهمت المنصات الرقمية في التعبئة والحشد ونقل المعلومات خارج الأطر الإعلامية التقليدية. كما لعبت دوراً محورياً في تشكيل الرأي العام العالمي خلال الحرب الروسية الأوكرانية والحرب في غزة، إذ تحولت المنصات إلى ساحات موازية للصراع السياسي والإعلامي والدبلوماسي. كذلك أثبتت العديد من الانتخابات حول العالم أن الحملات الرقمية والخوارزميات باتت قادرة على التأثير في اتجاهات الناخبين وحشد الدعم السياسي بصورة غير مسبوقة.هذه المعطيات تؤكد أن الشاشات الصغيرة لم تعد مجرد أدوات للتواصل ونقل الأخبار، بل أصبحت أحد أبرز الفاعلين في تشكيل النقاشات العامة والتأثير في القرارات السياسية، إلى درجة دفعت بعض الباحثين إلى وصف عصرنا الحالي بأنه “عصر السياسة الخوارزمية”، حيث تتقاطع السلطة التقليدية مع قوة البيانات والتفاعل الرقمي في صناعة القرار.لقد أثبتت التجارب السياسية خلال السنوات الأخيرة أن الشاشات الصغيرة أصبحت تمتلك نفوذاً قد يفوق أحياناً نفوذ المؤسسات التقليدية في توجيه الرأي العام وصناعة الأولويات السياسية. ومع استمرار تطور الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، ستزداد قدرة المنصات الرقمية على التأثير في القرارات والقضايا المصيرية. لذلك، لم يعد السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي تؤثر في السياسة، بل إلى أي مدى يمكن للمجتمعات والدول أن تضمن بقاء القرار السياسي رهين المصلحة العامة لا أسير الترندات والخوارزميات. فالمعركة الحقيقية في العصر الرقمي لم تعد فقط على السلطة، بل على من يملك القدرة على تشكيل الوعي وتوجيه الانتباه العام.
بقلم.-حمزة السعدي
