لم يكن التزامن بين زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق ووقوع تفجيرات قرب قلب العاصمة السورية مجرد حدث أمني عابر، بل شكّل مشهداً سياسياً مركباً تتقاطع فيه حسابات النفوذ الدولي مع رهانات إعادة الإعمار، ومخاوف الاستقرار الأمني في مرحلة انتقالية حساسة.
فالانفتاح الفرنسي على دمشق يأتي في لحظة تحاول فيها السلطة السورية الانتقالية تثبيت حضورها دولياً، بينما تسعى باريس إلى حجز موقع متقدم في رسم ملامح المرحلة المقبلة. وفي المقابل، حملت التفجيرات رسالة مضادة تهدف إلى التشكيك في قدرة العاصمة على استعادة الاستقرار وجذب الاستثمارات.
أولاً: سياق التحول السياسي ورسائل الزيارة
تأتي زيارة ماكرون في أعقاب التحول السياسي الكبير الذي شهدته سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد وتولي الرئيس أحمد الشرع قيادة المرحلة الانتقالية. وتمثل الزيارة محطة رمزية باعتبارها أول زيارة لرئيس غربي إلى دمشق بعد التغيير السياسي، كما أنها أول زيارة لرئيس فرنسي إلى سوريا منذ زيارة نيكولا ساركوزي عام 2008.
ولا يمكن قراءة هذه الخطوة بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية؛ ففرنسا لا تتحرك فقط من منطلق دبلوماسي، بل تسعى إلى بناء نفوذ سياسي واقتصادي في مرحلة إعادة تشكيل الدولة السورية.
في المقابل، تنظر دمشق الانتقالية إلى الانفتاح الفرنسي باعتباره فرصة لكسر العزلة الدولية، والحصول على دعم سياسي واقتصادي يساعدها في إعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة الثقة الخارجية.
ثانياً: المصالح المتبادلة بين باريس ودمشق
تتحرك فرنسا وفق مزيج من الاعتبارات الاقتصادية والجيوسياسية. فالسوق السورية، رغم تحدياتها الكبيرة، تمثل فرصة محتملة للشركات الفرنسية في قطاعات الطاقة والبنية التحتية وإعادة الإعمار. كما تهتم باريس بملفات أمنية مرتبطة بمكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية، وهي ملفات تتجاوز حدود سوريا لتصل إلى الأمن الأوروبي.
أما الجانب السوري، فيسعى إلى تحويل الانفتاح الفرنسي إلى مدخل نحو اعتراف دولي أوسع، وتخفيف القيود الاقتصادية، وجذب الاستثمارات الضرورية لإعادة تشغيل القطاعات الحيوية.
ومن هنا، فإن العلاقة الناشئة بين الطرفين لا تقوم على التقارب السياسي فقط، بل على تقاطع مصالح: فرنسا تبحث عن موقع وتأثير، ودمشق تبحث عن شرعية ودعم لإدارة المرحلة الانتقالية.
ثالثاً: التفجيرات ورسالة التشويش الأمني
جاءت التفجيرات قرب وزارة السياحة وفي محيط مكان إقامة الرئيس الفرنسي لتضيف بعداً أمنياً بالغ الحساسية إلى الزيارة. وبغض النظر عن هوية المنفذين، فإن اختيار التوقيت والمكان يحمل دلالة سياسية واضحة، إذ يوحي بمحاولة استهداف صورة الاستقرار التي أرادت دمشق وباريس تقديمها خلال الزيارة.
الرسالة الأساسية التي يمكن قراءتها من هذا النوع من العمليات هي محاولة الإيحاء بأن العاصمة السورية ما تزال بيئة غير مستقرة، وأن أي انفتاح دبلوماسي أو اقتصادي يواجه مخاطر أمنية.
وتتعدد الفرضيات بشأن الجهات المستفيدة من ضرب هذا المسار، بدءاً من خلايا تنظيمات متطرفة تسعى إلى تقويض أي سلطة جديدة، مروراً بجهات مرتبطة بالنظام السابق، وصولاً إلى أطراف إقليمية قد ترى في التحولات السورية الجديدة تهديداً لمصالحها.
لكن استمرار برنامج الزيارة وتوقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم بين دمشق وباريس عكس رسالة مقابلة مفادها أن الحوادث الأمنية لن تكون كافية لوقف المسار السياسي والاقتصادي الجديد.
رابعاً: دلالات المرحلة المقبلة
تكشف هذه التطورات أن سوريا تدخل مرحلة اختبار مزدوج: اختبار سياسي يتعلق بقدرة السلطة الانتقالية على بناء علاقات خارجية مستقرة، واختبار أمني يتعلق بقدرتها على حماية المدن والمؤسسات والشركاء الدوليين.
السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار الانفتاح الدولي بصورة تدريجية، مع زيادة التعاون الأمني بين دمشق وشركائها الخارجيين، باعتبار أن الاستقرار شرط أساسي لأي عملية استثمار أو إعادة إعمار.
لكن في المقابل، قد تؤدي الهجمات الأمنية المتكررة إلى إبطاء اندفاع بعض المستثمرين، خصوصاً في القطاع الخاص، الذين سيربطون قراراتهم بمدى قدرة الحكومة السورية على فرض الأمن وتقليص نشاط الجماعات المسلحة.
وفي” الختام”يمثل الانفتاح الفرنسي على دمشق خطوة سياسية محسوبة تتجاوز حدود الزيارة البروتوكولية، فهو يعكس محاولة لإعادة تموضع القوى الدولية في سوريا الجديدة، كما يعكس حاجة دمشق إلى بناء شبكة علاقات تساعدها على تجاوز آثار المرحلة السابقة.
أما التفجيرات، فهي تعكس صراعاً على مستقبل البلاد بين قوى تدفع نحو تثبيت الاستقرار وقوى تسعى إلى تعطيل مسار التحول. لذلك فإن المعركة الأساسية في المرحلة المقبلة لن تكون فقط في ساحات السياسة والدبلوماسية، بل أيضاً في قدرة الدولة السورية على فرض الأمن وتحويل الانفتاح الخارجي إلى واقع اقتصادي واجتماعي ملموس.
بقلم =حمزةالسعدي