الجديدة – مقال صحافي
يُعد موسم مولاي عبد الله أمغار من أبرز المواسم الدينية والتراثية التي تحتضنها منطقة دكالة، حيث يجمع سنوياً بين الروحانيات والتقاليد الشعبية وفن التبوريدة والصقارة والأنشطة الثقافية والفنية، مستقطباً آلاف الزوار من مختلف جهات المملكة.
غير أن هذه التظاهرة، التي اكتسبت شهرة واسعة وأصبحت جزءاً من الذاكرة الجماعية للمنطقة، لا تخلو من عدد من الملاحظات والانتقادات التي تبرز خلال فترة انعقادها، خصوصاً ما يتعلق بالاكتظاظ، والنظافة، وارتفاع الأسعار، وجودة بعض الخدمات، والسلامة، فضلاً عن الجدل الذي يرافق بعض الممارسات الشعبية والروايات المتداولة حول السحر والشعوذة.
اكتظاظ كبير وضغط على البنية التحتية
يُشكل الإقبال الجماهيري الكبير على موسم مولاي عبد الله أمغار إحدى نقاط قوته، لكنه في الوقت نفسه يفرض تحديات كبيرة على المنطقة، خاصة على مستوى حركة السير ومواقف السيارات وتنظيم تنقل الزوار.
وخلال أيام الموسم، تعرف المنطقة ضغطاً استثنائياً على الطرق والمرافق، الأمر الذي قد يؤدي إلى اختناق حركة المرور وصعوبة التنقل، خصوصاً خلال ساعات الذروة.
ويطرح هذا الوضع ضرورة اعتماد مخطط أكثر تطوراً لتدبير حركة السير، مع تخصيص مواقف منظمة للسيارات، ووضع علامات إرشادية واضحة، وضمان ممرات خاصة لسيارات الإسعاف والتدخل.
النظافة وتدبير النفايات
من بين الملفات التي تتطلب اهتماماً أكبر، ملف النظافة وتدبير النفايات، بالنظر إلى الأعداد الكبيرة من الزوار الذين يتوافدون على المنطقة خلال فترة قصيرة.
فتراكم النفايات، إن حدث، لا يؤثر فقط على جمالية المكان، وإنما يمكن أن يشكل أيضاً مصدر إزعاج ومخاطر صحية وبيئية.
ولهذا، فإن نجاح الموسم لا ينبغي أن يقاس فقط بجودة العروض والأنشطة، بل كذلك بمدى نظافة الفضاءات التي تستقبل الجمهور، وتوفر حاويات كافية، وفرق نظافة تعمل بشكل مستمر طوال فترة التظاهرة.
الخدمات الأساسية تحت الاختبار
يضع الموسم الخدمات الأساسية أمام اختبار حقيقي، خصوصاً ما يتعلق بمياه الشرب والمراحيض والنظافة والخدمات الصحية.
ومع ارتفاع عدد الزوار، تصبح الحاجة إلى مرافق صحية مؤهلة ومياه كافية وخدمات طبية قريبة أمراً ضرورياً، خصوصاً بالنسبة للعائلات وكبار السن والأطفال.
ومن شأن تحسين هذه الخدمات أن يرفع من جودة استقبال الزوار ويجنب المنطقة العديد من الانتقادات التي قد ترافق التظاهرة.
السلامة خلال عروض التبوريدة
تبقى التبوريدة من أهم عناصر الجذب في موسم مولاي عبد الله أمغار، إلا أن طبيعة هذه العروض، التي تجمع بين الخيول والبارود والجمهور، تتطلب إجراءات دقيقة وصارمة للسلامة.
ويفرض ذلك توفير مسافات آمنة بين السربات والمتفرجين، وحواجز مناسبة، ومراقبة دقيقة لمحيط العروض، إضافة إلى وجود فرق الإسعاف والتدخل السريع.
فالتراث لا يفقد قيمته عندما يخضع لإجراءات السلامة، بل إن الحفاظ عليه يتطلب ضمان استمراره في ظروف تحمي حياة الفرسان والجمهور.
شائعات السحر والشعوذة تثير الجدل
ومن أكثر المواضيع حساسية التي يتم تداولها حول الموسم، ما يتعلق بروايات عن السحر والشعوذة وبعض الممارسات المرتبطة بالمعتقدات الشعبية.
وقد تناولت بعض المنابر الإعلامية هذا الجانب، كما انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي روايات ومقاطع تتحدث عن ممارسات يُنسب بعضها إلى الشعوذة أو الدجل.
غير أن التعامل الصحافي مع هذا الموضوع يفرض قدراً كبيراً من الحذر؛ إذ لا يمكن تحويل الشائعات أو الروايات المتداولة إلى حقائق ثابتة من دون أدلة أو تحقيقات موثوقة.
وفي المقابل، فإن وجود ادعاءات أو ممارسات مشبوهة، إن ثبتت في حالات محددة، يستدعي اليقظة والرقابة، خصوصاً إذا تعلق الأمر باستغلال الزوار أو ابتزازهم مادياً باسم العلاج أو البركة أو فك السحر.
كما ينبغي التمييز بين الموروث الشعبي والتقاليد المحلية من جهة، وممارسات الدجل والشعوذة من جهة أخرى، حتى لا يتم تعميم اتهامات غير موثقة على موسم كامل له جذور دينية وتراثية عريقة.
ارتفاع الأسعار والاستغلال التجاري
يشكل الموسم فرصة اقتصادية مهمة للباعة والتجار وأصحاب الخدمات، لكنه يعرف أحياناً شكاوى مرتبطة بارتفاع أسعار بعض المنتجات والخدمات خلال فترة التظاهرة.
ومع ارتفاع الطلب، قد يجد بعض الزوار أنفسهم أمام أسعار تفوق المعتاد، خصوصاً في مجالات الأكل والإقامة ومواقف السيارات وبعض الخدمات.
ومن هنا تبرز أهمية مراقبة الأسعار وإشهارها بوضوح، وحماية المستهلك من أي استغلال مرتبط بالإقبال الكبير على الموسم.
ضغط بيئي وسكاني
لا يقتصر تأثير الموسم على أيام الاحتفال فقط، بل يمتد إلى البيئة والمجال المحلي، نتيجة ارتفاع عدد السكان المؤقتين والزوار والاستهلاك المتزايد للماء والطاقة، فضلاً عن كمية النفايات التي تنتجها التظاهرة.
وهذا يفرض اعتماد مقاربة بيئية أكثر صرامة، تقوم على جمع النفايات بشكل منتظم، وتوفير الحاويات، والحفاظ على نظافة الفضاءات والشواطئ والمناطق المحيطة.
الإعلام والحاجة إلى تواصل أكثر انفتاحاً
مع تزايد الاهتمام الإعلامي بالموسم، تصبح العلاقة مع الصحافة جزءاً مهماً من نجاح التظاهرة.
فالإعلام المهني يحتاج إلى المعلومات الدقيقة، والاعتماد المنظم، وظروف مناسبة لإنجاز التغطية، فضلاً عن التواصل المستمر مع الجهات المنظمة والمسؤولة.
وكلما كان التواصل المؤسساتي واضحاً ومفتوحاً، أمكن الحد من انتشار الأخبار غير الدقيقة والشائعات، وتقديم صورة أكثر توازناً عن الموسم للرأي العام.