العالم السياسي
بقلم عبدالله هزام
الرباط_ إن محاولة بلورة استراتيجية لعقلنة العمل السياسي داخل المجتمع، تستدعي بالضرورة تضافر كل الجهود الرامية إلى استعادة الثقة في جدوى الفعل السياسي. فبدون هذه الثقة، لن يستقيم مسار الديمقراطية، ولن يكون الفاعل السياسي في مستوى ما يطمح إليه المجتمع المدني.
وما نعيشه اليوم من عزوف للشباب عن السياسة لم يعد ملاحظة عابرة، بل أصبح ظاهرة بنيوية. في مقاهي المدن و الضواحي و القرى وتمارة، وفي الجامعات وعلى منصات التواصل، تتردد نفس العبارة: “السياسة لا تعنينا”. الأرقام تؤكد ذلك، نسبة تسجيل الشباب بين 18 و24 سنة في اللوائح الانتخابية لا تتجاوز 20%.
*بين السبب والنتيجة*
كثيرا ما يتم التعامل مع العزوف كسبب لأزمة العمل السياسي، بينما هو في الحقيقة نتيجة له. وهذا التمييز جوهري.فالعزوف ليس خللا في المواطن، بل هو نتيجة لممارسة سياسية مرتبكة أنتجت عبر صيرورتها واقعا اجتماعيا يفتقر إلى ثقافة المشاركة. حين نربط العزوف بالشباب على اعتبار أن ضعف المشاركة كان أكبر في صفوفهم، فإننا نغفل أن الشاب لم يجد مناخا إيجابيا يضمن له دورا حقيقيا. سألنا ياسين، 23 سنة، خريج جامعي من الرباط فقال: “سمعنا وعودا كثيرة، لكن واقع البطالة لم يتغير”. وتقول فاطمة، طالبة: “الأحزاب تتحدث بلغة لا تشبهنا، بيانات طويلة واجتماعات مغلقة، بينما نحن نعيش زمن الصورة السريعة”.
هنا تتجلى الأزمة المزدوجة: نخب مغلقة تحتكر المشهد بنفس الوجوه منذ سنوات، وخطاب خشبي لا يصل إلى الشباب. في المقابل، وجد الشاب بديله. لم يعد يحتاج إلى بطاقة حزب ليعبر عن رأيه، فمقطع فيديو من 60 ثانية قد يصل إلى وزير، بينما طلب لقاء مع مسؤول محلي قد يستغرق شهورا.
*كيف نستعيد الثقة؟*
إن تجاوز هذه الأزمة لا يمكن أن يتم عبر حملات تحسيسية موسمية من نوع “سجل وصوت” تأتي كل خمس سنوات. بل يتطلب مقاربة ثقافية وسياسية شاملة.
*أولا،* فتح هياكل الأحزاب أمام الشباب بصلاحيات حقيقية، لا بأدوار شكلية للتصفيق في المؤتمرات. تخصيص نسبة من مواقع القرار للشباب أقل من 30 سنة.
*ثانيا،* تجديد أدوات التواصل. أن يخرج السياسي من مقره إلى الفضاء الرقمي، يتحدث بلغة مباشرة ويجيب عن الأسئلة بلا لغة خشب.
*ثالثا،* ربط الممارسة السياسية بالحياة اليومية. الشاب سيعود إلى صناديق الاقتراع حين يلمس أن مشاركته قد تسهم في حل مشاكل النقل والسكن والتشغيل، وأن صوته له أثر في خفض ثمن الكراء أو توفير حافلة.
إن العزوف ليس كسلا كما يعتقد البعض، بل هو رسالة احتجاج صامتة. الشباب لا يقول إنه لا يهتم، بل يقول إنه لم يجد بعد من يقنعه.
ومع اقتراب استحقاقات 2026، تجد الأحزاب نفسها أمام امتحان حقيقي: إما أن تستمع إلى صمت الشباب اليوم وتعمل على استعادة ثقته، أو تتركه يبني ديمقراطيته الخاصة في العالم الرقمي، بعيدا عن المؤسسات.
—
