ليست السلطة مجرد منصب إداري أو مسؤولية سياسية، كما أن النفوذ ليس امتيازاً يمنح صاحبه الحق في التحكم في الآخرين، بل هما اختبار حقيقي لشخصية الإنسان، ولمدى قدرته على تحقيق التوازن بين المسؤولية والضمير، وبين قوة القرار واحترام الآخرين.
فكم من شخص دخل عالم المسؤولية متواضعاً، حريصاً على الاستماع إلى الناس والإنصات إلى انشغالاتهم، قبل أن تتغير طريقة تعامله بعدما أصبح محاطاً بالمساعدين والمصفقين وأصحاب المصالح.
ومن هنا يبرز سؤال يستحق التأمل والنقاش: هل تجعل السلطة الإنسان يفقد توازنه، أم أنها تكشف جوانب من شخصيته لم تكن ظاهرة قبل وصوله إلى مواقع النفوذ؟
آلان دونو و«نظام التفاهة».. قراءة في آليات إنتاج النفوذ
في كتابه «نظام التفاهة» (La Médiocratie)، يقدم الفيلسوف الكندي آلان دونو نقداً للأنظمة الاجتماعية والإدارية والاقتصادية التي قد تمنح الأفضلية للأشخاص الأكثر قدرة على التكيف مع قواعدها، حتى عندما لا تكون الكفاءة الفكرية والاستقلالية في صدارة معايير التقدم.
ويناقش دونو كيف يمكن للوظائف والإجراءات والمؤسسات أن تتحول إلى منظومات تفرض الامتثال وتحد من التفكير النقدي والمبادرة المستقلة.
ولا يعني مفهوم «نظام التفاهة» أن كل من يتولى منصباً عاماً يفتقر إلى الكفاءة، أو أن كل مسؤول يسعى إلى السلطة تحركه المصالح الشخصية. بل تتعلق الفكرة الأساسية بنظام قد يكافئ الانسجام مع المصالح السائدة أكثر مما يكافئ الجرأة الفكرية والقدرة على النقد.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم جانب من الإشكالات التي ترافق ممارسة السلطة؛ فعندما يصبح الحفاظ على المنصب أهم من جودة القرار، وتتحول الطاعة إلى معيار للترقي، قد يجد المسؤول نفسه داخل دائرة مغلقة لا تصله منها إلا المعلومات التي يرغب المحيطون به في إيصالها.
وفي مثل هذه الظروف، لا تعود المشكلة مرتبطة بشخص المسؤول وحده، بل تمتد إلى البيئة المؤسساتية المحيطة به، وإلى طبيعة القواعد التي تحدد من يتقدم ومن يتراجع، ومن يستطيع التعبير عن رأيه دون الخوف من فقدان موقعه.
من خدمة المواطنين إلى البحث عن الولاء
تبدأ بعض التحولات في سلوك المسؤول عندما يخلط بين احترام المنصب واحترام شخصه. فالمواطن الذي يتوجه إلى الإدارة للحصول على خدمة مشروعة لا ينبغي أن يشعر بأنه يطلب امتيازاً شخصياً، كما أن الموظف الذي يؤدي واجبه لا ينبغي أن يتعامل مع صلاحياته باعتبارها ملكية خاصة.
غير أن الواقع قد يشهد حالات يصبح فيها الوصول إلى المسؤول أكثر أهمية من احترام المساطر القانونية، وتتحول العلاقة بين المواطن والإدارة إلى علاقة قائمة على الوساطة والولاء بدل القانون وتكافؤ الفرص.
وعندما يعتاد صاحب القرار سماع عبارات الثناء في كل مناسبة، ويجد من يبرر قراراته مهما كانت نتائجها، قد تتراجع لديه الرغبة في مراجعة اختياراته أو الاستماع إلى الأصوات المخالفة.
ولا يكمن الخطر هنا في افتراض أن المسؤول يعاني بالضرورة اضطراباً نفسياً، بل في احتمال نشوء سلوك سلطوي يضعف التواصل، ويجعل النقد يبدو تهديداً شخصياً بدل اعتباره فرصة لتصحيح الأخطاء وتحسين الأداء.
هل يصنع المنصب إنساناً مختلفاً؟
لا توجد قاعدة علمية مطلقة تثبت أن السلطة تجعل كل إنسان متسلطاً أو تفقده القدرة على التفكير السليم. فالسلوك البشري يتأثر بعوامل متعددة، من بينها الشخصية السابقة، والبيئة الاجتماعية، وطبيعة المسؤولية، وحجم الضغوط، وآليات الرقابة والمحاسبة.
وقد تمنح المسؤولية بعض الأشخاص ثقة أكبر في اتخاذ القرار، وتساعدهم على توسيع رؤيتهم للمشكلات العامة. وفي المقابل، قد تدفع آخرين إلى المبالغة في تقدير نفوذهم، خصوصاً عندما تغيب المحاسبة ويصبح التبرير المستمر سمة ملازمة لقراراتهم.
لذلك، لا يتمثل السؤال الأساسي في ما إذا كان المنصب يغير الإنسان بالضرورة، بل في مدى قدرة المؤسسات المحيطة به على ضبط ممارسة السلطة وإخضاعها لقواعد واضحة وفعالة.
فالمسؤول الذي يعلم أن قراراته قابلة للمراجعة، وأن القانون يسري عليه كما يسري على غيره، يكون أكثر عرضة لمساءلة أدائه وأكثر مطالبة بالتفكير في النتائج وتحمل المسؤولية.
أما عندما تغيب الرقابة ويضعف التواصل مع المواطنين، فإن مخاطر الانغلاق وتضارب المصالح وتراجع الثقة تصبح أكثر حضوراً.
المحيطون بالمسؤول.. حين يصبح التصفيق بديلاً عن الحقيقة
لا يمكن فهم سلوك بعض أصحاب النفوذ دون النظر إلى الأشخاص الذين يحيطون بهم. فالمستشارون والمساعدون والموظفون والفاعلون المتواصلون مع المسؤول يؤدون دوراً مهماً في تشكيل المعلومات التي تصل إليه، وفي تحديد طبيعة النقاش داخل محيطه.
فإذا ضم هذا المحيط أشخاصاً قادرين على الاختلاف وتقديم الملاحظات المهنية، استفاد المسؤول من تعدد وجهات النظر وأصبح أكثر قدرة على تقييم قراراته من زوايا مختلفة.
أما إذا تحول إلى دائرة مغلقة لا تسمح إلا بالتأييد، فقد يجد صاحب القرار صعوبة في التمييز بين الدعم الحقيقي والمجاملة المرتبطة بالمصلحة.
وهنا يبرز أحد أهم دروس الفكر السياسي والإدارة الحديثة: قوة المسؤول لا تقاس بعدد الذين يوافقونه، بل أيضاً بقدرته على الاستماع إلى معارضيه ومراجعة قراراته عندما تظهر معطيات جديدة.
فالمعارضة داخل المؤسسات ليست بالضرورة عائقاً أمام العمل، كما أن الاختلاف لا يعني دائماً وجود خصومة شخصية. وقد يكون النقد المهني إحدى أهم الوسائل التي تمنع الأخطاء من التحول إلى أزمات يصعب احتواؤها.
السلطة والمسؤولية في الحياة السياسية
تتضاعف أهمية هذا النقاش في المجال السياسي، لأن القرارات لا تمس صاحب المنصب وحده، بل قد تؤثر في حياة آلاف المواطنين أو ملايينهم.
فالمسؤول العمومي مطالب بتفسير قراراته، واحترام القواعد القانونية، وتدبير المال العام وفقاً للمصلحة العامة، والتفاعل مع الأسئلة المشروعة التي يطرحها المواطنون ووسائل الإعلام.
ولا ينبغي أن تتحول المسؤولية السياسية إلى امتياز يحصن صاحبها من النقد، كما لا ينبغي أن يتحول النقد الصحفي إلى وسيلة لإصدار أحكام شخصية دون أدلة.
فالعلاقة السليمة بين الإعلام والسلطة تقوم على الحق في المعلومة، واحترام الوقائع، وضمان حق الرد، وترسيخ المساءلة المهنية.
ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي للمسؤول لا يبدأ يوم تعيينه، بل يظهر خلال ممارسته لمهامه، عندما يواجه قراراً صعباً، أو انتقاداً علنياً، أو خطأ يستوجب التصحيح.
هل يستطيع الاعتراف بأن قراره لم يكن صائباً؟ وهل يقبل شرح أسباب اختياراته للمواطنين؟ وهل يحترم المؤسسات التي تراقب عمله؟
إن هذه الأسئلة أكثر فائدة من الاكتفاء بوصف المسؤول بالغرور أو التسلط، لأنها تنقل النقاش من الأحكام الشخصية إلى تقييم السلوك والقرارات ومدى احترام قواعد المسؤولية.
من آلان دونو إلى واقع المؤسسات.. المشكلة أعمق من الأشخاص
تكمن أهمية الأفكار التي يناقشها آلان دونو في أنها تدعو إلى النظر في البنية التي تنتج السلوك، بدل الاكتفاء بالحكم على الأشخاص بمعزل عن محيطهم.
فحين تكافئ المؤسسة الامتثال الأعمى، وتهمش الكفاءة المستقلة، وتربط الترقي بالقرب من مراكز النفوذ، فإنها قد تخلق ظروفاً تسمح باستمرار الممارسات نفسها، حتى عندما تتغير الوجوه والأسماء.
وهذا يعني أن إصلاح المؤسسات لا يمكن أن يعتمد فقط على استبدال مسؤول بآخر، بل يحتاج إلى قواعد واضحة للتوظيف والترقي، وشفافية في اتخاذ القرار، ورقابة فعالة، وتقييم موضوعي للأداء، وحماية حق الموظفين والمواطنين في التعبير عن ملاحظاتهم المشروعة.
كما أن محاربة تضارب المصالح والتمييز في المعاملة، وتيسير الوصول إلى المعلومات، وتعزيز استقلالية آليات التظلم، كلها إجراءات تساعد على الحد من تحول السلطة إلى وسيلة لخدمة المصالح الضيقة.
فبناء المؤسسات القوية لا يتطلب وجود مسؤولين لا يخطئون، لأن ذلك أمر غير واقعي، بل يتطلب مؤسسات قادرة على اكتشاف الأخطاء وتصحيحها، وتحديد المسؤوليات، ومنع تكرار التجاوزات.
الخلاصة: المسؤولية تكشف معدن الإنسان وتختبر قوة المؤسسات
لا تجعل السلطة الإنسان فاقداً للعقل بالمعنى الطبي للكلمة، كما لا يشكل التسلط أو الغرور دليلاً تلقائياً على وجود اضطراب نفسي. لكنها قد تضعه أمام اختبار صعب، خصوصاً عندما يمتلك صلاحيات واسعة ويجد نفسه محاطاً بمن يوافقونه باستمرار.
وقد تكشف المسؤولية عن قيم راسخة لدى صاحبها، كما قد تظهر جوانب من سلوكه لم تكن واضحة قبل توليه المنصب. غير أن النتيجة لا تتوقف على شخصية الفرد وحدها، بل تتأثر أيضاً بقوة القانون، واستقلالية الرقابة، وثقافة الاختلاف، وقدرة المؤسسات على فرض المحاسبة.
أما الدرس الأبرز الذي يمكن استخلاصه من النقاش الذي يفتحه كتاب «نظام التفاهة»، فهو أن الخطر لا يكمن فقط في شخص قد يسيء استخدام السلطة، بل أيضاً في نظام قد يكافئ الصمت، ويهمش النقد، ويجعل الحفاظ على الموقع أهم من تحقيق المصلحة العامة.
فالسلطة الحقيقية ليست أن يخافك الآخرون، ولا أن يصفقوا لك في كل مناسبة، بل أن تمتلك الشجاعة للاستماع إلى الحقيقة حتى عندما تكون مؤلمة، وأن تقبل المحاسبة حتى عندما تكون في موقع القرار.
فالمناصب تزول، وموازين النفوذ تتغير، لكن ما يبقى في ذاكرة الناس هو أثر المسؤول في حياتهم، ومدى احترامه لكرامتهم، وقدرته على تحويل السلطة من امتياز شخصي إلى مسؤولية تخدم الصالح العام.