العالم السياسي
الرباط /عبدالله هزام
تخيّل أن الرباط وسلا كانتا، في مرحلة من التاريخ، مركزاً لكيان سياسي شبه مستقل، له قادته وسفنه ومصالحه البحرية، وارتبط اسمه بمهاجمة السفن الأوروبية وأسر البحارة والتجار. قد تبدو هذه الصورة بعيدة عن واقع العاصمة المغربية اليوم، لكنها تحيل إلى واحدة من أكثر المراحل إثارة في تاريخ مصب نهر أبي رقراق خلال القرن السابع عشر.
إنها حكاية ما يُعرف بـ«جمهورية بورقراق»، التي ارتبط صعودها بوصول الموريسكيين المطرودين من إسبانيا، وبالتحولات السياسية والعسكرية التي شهدها المغرب في تلك الفترة.
من الأندلس إلى ضفاف أبي رقراق
تعود جذور هذه القصة إلى سنة 1609، حين أصدر الملك الإسباني فيليب الثالث قراراً بطرد الموريسكيين، وهم المسلمون الذين بقوا في إسبانيا بعد سقوط الممالك الإسلامية بالأندلس، وأُجبروا على اعتناق المسيحية أو عاشوا تحت ضغوط دينية وسياسية متزايدة.
وصلت أعداد من هؤلاء المطرودين إلى المغرب، واستقر بعضهم في الرباط وسلا، حاملين معهم خبرات وتجارب متنوعة، من بينها مهارات مرتبطة بالملاحة والتجارة والحرف.
ولم يكن وصولهم مجرد محطة في مسار الهجرة القسرية، بل أسهم في إحداث تحولات اجتماعية واقتصادية في المنطقة، خصوصاً في ظل الأوضاع السياسية المضطربة التي كان يعيشها المغرب آنذاك.
ومع مرور الوقت، برزت مجموعات من الموريسكيين والبحارة في محيط مصب أبي رقراق، مستفيدة من الموقع الاستراتيجي للمنطقة، حيث يلتقي النهر بالمحيط الأطلسي، بما يوفره ذلك من إمكانات للملاحة والتجارة والعمليات البحرية.
جمهورية بورقراق.. كيان سياسي بطموحات بحرية
خلال عشرينيات القرن السابع عشر، برزت في المنطقة سلطة محلية ارتبطت في المصادر التاريخية باسم «جمهورية بورقراق»، وأصبحت الرباط وسلا مركزاً لنشاط بحري واسع، جمع بين التجارة والقرصنة والصراع مع القوى الأوروبية.
وقد استفاد هذا الكيان من ضعف السلطة المركزية في بعض الفترات، ومن التنافس بين القوى المحلية، ليطور نفوذاً بحرياً امتد إلى أجزاء من المحيط الأطلسي.
ولم تكن هذه التجربة دولة حديثة بالمعنى المتعارف عليه اليوم، كما لا ينبغي تصورها باعتبارها جمهورية ديمقراطية وفق المفاهيم المعاصرة. بل كانت كياناً سياسياً محلياً ذا طابع بحري، تشكل في سياق تاريخي اتسم بتداخل المصالح التجارية والعسكرية والصراعات على النفوذ.
وكانت قصبة الأوداية من أبرز المواقع المرتبطة بهذه المرحلة، بفضل موقعها المطل على مصب النهر والمحيط، وما وفره ذلك من أهمية استراتيجية في مراقبة حركة السفن والدفاع عن المنطقة.
القرصنة البحرية.. مصدر للثروة والصراع
ارتبط اسم جمهورية بورقراق بنشاط القرصنة البحرية التي استهدفت سفناً أوروبية في المحيط الأطلسي والبحر المتوسط. وكانت هذه العمليات تشمل الاستيلاء على البضائع وأسر البحارة والركاب، في سياق صراعات بحرية كانت تشهدها المنطقة بين قوى متعددة.
وقد شكلت هذه الأنشطة، إلى جانب التجارة، أحد مصادر الثروة والنفوذ لدى الجماعات البحرية التي نشطت في المنطقة.
كما دفعت الهجمات البحرية القوى الأوروبية إلى الاهتمام المتزايد بسواحل المغرب، سواء لحماية سفنها التجارية أو للتفاوض بشأن الأسرى أو لمحاولة الحد من العمليات التي كانت تهدد مصالحها البحرية.
ومن هنا، لم تكن الرباط وسلا مجرد مدينتين على هامش الأحداث الدولية، بل أصبحتا جزءاً من شبكة أوسع من التفاعلات البحرية التي ربطت المغرب بأوروبا والمحيط الأطلسي.
ومع ذلك، فإن تصوير تلك المرحلة باعتبارها زمناً من الثراء والبطولة وحدهما لا يعكس تعقيدها؛ فقد ارتبطت القرصنة أيضاً بالأسر والمعاناة الإنسانية، كما كانت جزءاً من منظومة أوسع من الصراعات البحرية التي مارستها قوى مختلفة في المنطقة.
من الاستقلال المحلي إلى عودة السلطة المركزية
لم يستمر الكيان المرتبط بجمهورية بورقراق في وضعه السياسي نفسه إلى الأبد. فقد شهد المغرب خلال القرن السابع عشر صراعات على السلطة ومحاولات متواصلة لإعادة توحيد البلاد وتعزيز نفوذ الدولة المركزية.
ومع صعود الدولة العلوية، بدأت موازين القوى تتغير تدريجياً، وأصبح إخضاع المراكز المحلية المستقلة وتعزيز سلطة المخزن من أبرز التوجهات السياسية في تلك المرحلة.
وفي عهد السلطان مولاي الرشيد، الذي حكم المغرب بين عامي 1666 و1672، بدأ مسار توحيد السلطة وتعزيز نفوذ الدولة العلوية. وتُؤرخ نهاية تجربة جمهورية بورقراق عادةً بسنة 1668، في سياق التحولات التي أعادت المنطقة إلى دائرة السلطة المركزية.
وهكذا، لم يكن انتهاء هذه التجربة مجرد نهاية لنشاط بحري، بل مثّل تحولاً في طبيعة السلطة بالمنطقة، مع تراجع استقلالية القوى المحلية وصعود الدولة المركزية.
قصبة الأوداية.. ذاكرة مرحلة استثنائية
اليوم، حين يزور المرء قصبة الأوداية، ويتجول في أزقتها وأسوارها المطلة على المحيط الأطلسي، فإنه يقترب من فضاء يحمل آثار مراحل تاريخية متعاقبة.
فالقصبة ليست مجرد معلمة سياحية تتميز ببيوتها البيضاء والزرقاء وأزقتها الضيقة، بل هي جزء من ذاكرة الرباط، وشاهد على الأهمية الاستراتيجية التي اكتسبتها المنطقة بفضل موقعها الجغرافي.
كما أن تاريخ الموريسكيين يظل عنصراً مهماً في فهم التحولات الثقافية والاجتماعية التي عرفتها الرباط وسلا، بما حمله الوافدون من الأندلس من عادات وخبرات وأساليب عيش أسهمت في تشكيل ملامح المنطقة.
لكن من المهم أيضاً عدم اختزال تاريخ القصبة أو تاريخ المدينتين في تجربة القرصنة وحدها، إذ عرفتا مراحل متعددة من العمران والتجارة والصراع والتحول السياسي.
الخلاصة: حين كان البحر بوابة للنفوذ
تكشف حكاية جمهورية بورقراق عن مرحلة استثنائية من تاريخ الرباط وسلا، حين أتاح الموقع الاستراتيجي لمصب أبي رقراق بروز قوة بحرية محلية دخلت في صراعات مع القوى الأوروبية، قبل أن تتراجع مع تعزيز السلطة المركزية في المغرب.
إنها قصة مدينة لم يكن البحر بالنسبة إليها مجرد أفق جغرافي، بل مجالاً للتجارة والنفوذ والصراع، ومعبراً للتواصل بين المغرب والعالم.
فالرباط التي نعرفها اليوم عاصمةً سياسية وإدارية للمملكة، تحمل في ذاكرتها طبقات متعددة من التاريخ، من بينها تلك المرحلة التي جعلت من ضفاف أبي رقراق مركزاً لأحداث تجاوز صداها حدود المغرب.