العالم السياسي
عبدالله هزام / الرباط
حين يكون الاعتزاز بالوطن أغلى إحساس يعيشه الإنسان في علاقته ببلده، فإن أول اختبار لهذا الاعتزاز لا يكون أمام المرآة، بل في عيون الآخرين: كيف يروننا؟ وبأي زاوية يقرؤون خطابنا؟ وما الذي يختارون إبرازه من رسائلنا؟
يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، على الساعة الثالثة وخمس وأربعين دقيقة بعد الزوال، ألقى جلالة الملك محمد السادس خطابًا أمام أعضاء مجلسي البرلمان، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة. خطاب لم تتجاوز مدته اثنتي عشرة دقيقة، لكنه تناول قضايا الهوية والاقتصاد والشباب والهجرة والسيادة والشراكات الدولية.
في الداخل، كانت الرسالة واضحة: «إن أغلى إحساس عندي في حياتي، هو اعتزازي بمغربيتي». وهي عبارة استحضرها الملك من خطابه سنة 2014، ليؤكد أن الاعتزاز بالوطن ليس مجرد شعور وجداني، بل مصدر للمسؤولية وحافز للعمل، وأن طموح المغرب إلى أن يصبح قوة اقتصادية صاعدة وموثوقة يقتضي الجمع بين النمو الاقتصادي وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية.
لكن ماذا سمع الآخرون من هذا الخطاب؟
في إسبانيا، تصدرت العلاقات الثنائية وملفات التعاون والهجرة جوانب واسعة من التغطية الإعلامية. صحيفة El País، مثلًا، ركزت على رفض الملك إخضاع التعاون بين البلدين لأي ضغط أو تهديد أو ابتزاز، كما تناولت انتقاده بعض التصريحات السياسية والإعلامية الإسبانية، وإشارته إلى أن نموذج التعاون في مجال الهجرة أصبح متجاوزًا.
وجاء هذا الاهتمام في سياق يسبق الزيارة المرتقبة للملك فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر. ومع ذلك، من المهم التمييز بين ما ورد في الخطاب وما استنتجته التحليلات الصحفية من سياقه؛ فالملك لم يذكر الزيارة صراحة، ولا يصح اختزال الخطاب كله في هذا الملف، مهما كانت أهميته في العلاقات بين البلدين.
أما في فرنسا، وفي الإعلام الناطق بالفرنسية عمومًا، فتبرز زاوية أخرى عند قراءة الخطاب: الاقتصاد والاستثمار والتنافسية، وموقع المغرب بوصفه شريكًا اقتصاديًا موثوقًا، وبوابة نحو الأسواق الإفريقية، وبلدًا يستعد لاستحقاقات تنموية كبرى، في مقدمتها تنظيم كأس العالم 2030.
هذه القراءة الاقتصادية مشروعة، بالنظر إلى ما تضمنه الخطاب من دعوة إلى إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى في مجالات الماء والطاقة والأمن الغذائي والصناعة والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي. لكنها تظل غير مكتملة إذا فصلت هذه الطموحات عن شروطها الاجتماعية والمجالية، وعن ضرورة تحويل النمو إلى فرص ملموسة للمواطنين.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل.
قد يرى الإعلام الخارجي في المغرب شريكًا اقتصاديًا، أو فاعلًا في تدبير الهجرة، أو قوة إقليمية تتقدم بثبات نحو استحقاقات دولية كبرى. لكن المغرب، في نظر أبنائه، ليس مجرد ملف اقتصادي أو أمني، ولا مجرد مؤشرات نمو ومشاريع استثمارية. إنه أيضًا هوية وذاكرة وثقافة وانتماء، تتحول قيمتها الحقيقية إلى مسؤولية يومية تجاه الوطن والمواطن.
ولا يعني ذلك أن الإعلام الدولي يتجاهل الهوية المغربية بالضرورة، أو أن قراءاته تختزل المغرب دائمًا في المصالح الاقتصادية والأمنية؛ فلكل وسيلة إعلامية أولوياتها وزاوية معالجتها. غير أن مسؤوليتنا نحن تقتضي ألا نكتفي بالاحتفاء بالصورة التي نريد أن يرانا العالم من خلالها، بل أن ننظر أيضًا إلى واقعنا، وإلى المسافة التي تفصل طموحاتنا عن حياة المواطنين اليومية.
فالخطاب الملكي ربط بوضوح بين طموح المغرب إلى تعزيز مكانته الدولية وبين ضرورة تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية. كما دعا إلى وضع الشباب في صلب السياسات العمومية، وإلى تسريع وتيرة الجهوية المتقدمة وتحديث الإدارة، وتعزيز دور القطاع الخاص في الاستثمار وخلق فرص الشغل.
وهذا يعني أن قوة المغرب لا تُقاس فقط بقدرته على جذب الاستثمارات، أو بتدبير ملفات الهجرة، أو بحضوره في الشراكات الدولية؛ بل تُقاس كذلك بمدى قدرة هذه الشراكات على خدمة التنمية، وتوسيع فرص العمل، وتقليص الفوارق بين الجهات، وصون كرامة المواطن.
أما العلاقة مع إسبانيا، فقد وضعها الخطاب ضمن إطار أوسع يقوم على الشراكة والاحترام المتبادل والسيادة، مع الدعوة إلى مراجعة نموذج التعاون في مجال الهجرة. وهي رسالة تتجاوز ردود الفعل الظرفية، لتطرح سؤالًا جوهريًا حول طبيعة الشراكات الدولية التي يريدها المغرب: شراكات متوازنة، واضحة الالتزامات، ومتصلة بمصالح التنمية والاستقرار المشترك.
إن الصحافة الدولية تقرأ المغرب من زوايا متعددة، ونحن بدورنا مطالبون بقراءة ما وراء العناوين، من دون تهويل أو تبسيط. فليس المطلوب أن نتوقع من الخارج أن يتبنى رؤيتنا كاملة، بل أن نبني واقعًا يجعل من الصعب تجاهل ما نحققه، وأن نمتلك من الثقة والوضوح ما يسمح لنا بالتمييز بين الاختلاف في وجهات النظر وبين المساس بالمصالح الوطنية.
افتتاح السنة التشريعية لم يكن مجرد موعد دستوري، بل مناسبة لتحديد أولويات مرحلة جديدة. غير أن قيمة الخطاب لن تتحدد بما كتبته الصحف عنه، ولا بما أثارته عباراته من نقاش، بل بما ستنجح المؤسسات في تحويله إلى سياسات ونتائج.
فالمغرب الصاعد لن تصنعه عناوين El País، ولا تقارير الاستثمار وحدها. سيصنعه أيضًا شاب يجد فرصة عمل في جهته، وإدارة تنصف المواطن بدل أن تعرقله، واستثمار يخلق قيمة مضافة، وبرلمان يجعل قضايا الشباب في صلب التشريع والمراقبة، وتنمية يشعر الناس بأثرها في حياتهم اليومية.
الاعتزاز بالمغربية ليس ما نقوله عن أنفسنا فحسب، بل ما ننجح في تحقيقه على أرض الواقع.
قد يسمع العالم من خطابنا ما تفرضه أولوياته، لكن مسؤوليتنا تبدأ من هنا: أن نسمع نحن ما يقوله واقعنا، وأن نحول طموحنا الوطني إلى إنجازات يلمسها المواطن قبل أن تتحدث عنها العناوين.