العالم السياسي
عبدالله هزام/الرباط
اليوم و ليس غدا ينتخبون رئيساً جديداً لمجلس النواب. ستُرفع الأيدي، وتُعلن النتائج، وتُلتقط الصور. لكن السؤال الذي سيظل معلقاً خارج القبة هو: ماذا سيتغير في حياة المغاربة؟
اليوم الثلاثاء، على الساعة الثالثة بعد الزوال، سيدخل 395 نائباً إلى قبة البرلمان لانتخاب رئيس جديد لمجلس النواب. ستدور الأسماء، وتُنسج التوافقات، وتُحسم الحسابات، ثم يصعد الفائز إلى المنصة وسط التصفيق.
ستنتهي معركة الرئاسة، وتبدأ الصورة الرسمية.
لكن ماذا عن المغرب الذي ينتظر خارج هذه القبة؟ ماذا عن العاطل الذي لا تعنيه هوية الرئيس بقدر ما يعنيه أن يجد عملاً؟ وعن الفلاح الذي يراقب السماء بقلق، والمواطن الذي يكتشف أن الماء قد يغيب عن حقله وبيته، فيما لا تغيب عنه فواتير المعيشة؟
هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل ينتخب البرلمان رئيساً جديداً، أم يمنح نفسه فرصة جديدة لتأجيل الأسئلة التي لم يعد ممكناً الهروب منها؟
لسنا أمام لحظة سياسية عادية، بل أمام مغرب يعيش حالة «بين بين»: حكومة رحلت، وأخرى لم تتشكل بعد؛ وعود انتخابية تنتظر الوفاء، ومواطنون استُنزف صبرهم بين ارتفاع تكاليف المعيشة وضيق فرص الشغل وتراجع الإحساس بالأمان الاجتماعي.
إنه ذلك الفراغ الذي تتسع فيه المسافة بين ما تقوله المؤسسات وما يعيشه الناس. تُرفع شعارات الدولة الاجتماعية، لكن المواطن يريد أن يعرف أين تبدأ هذه الدولة حين يفقد عمله، أو يعجز عن تحمل نفقات العلاج، أو يجد نفسه عاجزاً عن توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة.ولأن السياسة لا تُقاس بما تقوله عن نفسها، بل بما تغيّره في الواقع، فإن أخطر ما يمكن أن يواجه البرلمان الجديد ليس اختلاف الأسماء، وإنما استمرار هذا الفراغ بين الخطاب والإنجاز.
تتردد أسماء مثل أحمد التويزي وعبد اللطيف وهبي في النقاش حول رئاسة مجلس النواب، ولكل اسم مساره السياسي وتجربته وحساباته. لكن اختزال مستقبل المؤسسة التشريعية في هوية الشخص الذي سيجلس على كرسي الرئاسة هو، في حد ذاته، اختزال للمشكلة.فالرئيس، مهما كانت خبرته، لا يصنع وحده برلماناً فعالاً. ما يصنعه هو قواعد العمل، واستقلالية الرقابة، وجرأة المساءلة، وقدرة النواب على ممارسة اختصاصاتهم بعيداً عن منطق التصفيق الجاهز والتوافق الذي يُفرغ النقاش من مضمونه.
لا يتعلق الأمر بالحكم على الأسماء قبل أن تبدأ مهامها، ولا بتحويل الانتخاب إلى محاكمة مسبقة للأشخاص. يتعلق الأمر بطرح السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل تصويت: ما الذي ننتظره من الرئيس الجديد، وما الذي سنحاسبه عليه؟ فالمغاربة لا يحتاجون إلى رئيس يُحسن تدبير الجلسات فحسب، بل إلى مؤسسة تحسن تدبير الاختلاف، وتضع الحكومة أمام مسؤولياتها، وتمنح الأسئلة الحقيقية مكانها الطبيعي تحت قبة البرلمان. ليس المطلوب تغيير الجالس على الكرسي فقط، بل تغيير ما يُنتظر من الكرسي نفسه.
حين تتحول الأرقام إلى وجوه وبيوت
وراء كل رقم اقتصادي قصة إنسانية لا تظهر في البلاغات الرسمية.
حين ترتفع البطالة، لا نتحدث عن نسبة مئوية معلقة في تقرير، بل عن شاب أنهى دراسته واكتشف أن شهادته لا تفتح باباً، وعن أسرة تنتظر أن يتحول تعليم أبنائها إلى فرصة للارتقاء الاجتماعي، لا إلى سنوات إضافية من الانتظار.
وحين ترتفع بطالة الشباب وحاملي الشهادات، يصبح السؤال أكبر من عدد مناصب الشغل المعلن عنها: أي نموذج اقتصادي يستطيع أن يستوعب طاقات أجيال كاملة؟ وكيف يمكن إقناع الشباب بجدوى المشاركة السياسية إذا ظل الانتقال من مقاعد الدراسة إلى سوق العمل أشبه بعبور جسر لا يصل إلى أي ضفة؟
ثم يأتي الماء، ذلك الامتحان الذي لم يعد يحتمل التأجيل. فالجفاف يضغط على الفلاحين، والتساقطات العنيفة قد تتحول إلى خسائر في الأرواح والممتلكات، وسوء تدبير المخاطر يجعل الأسر الهشة أول من يدفع الثمن.
وبين سدود تتراجع حقينتها ومناطق تتضرر من السيول، تتكشف مفارقة مؤلمة: الماء الذي ننتظره قد يتحول، في غياب التدبير الوقائي والبنيات اللازمة، من مصدر للحياة إلى مصدر للخسارة.
أما أسعار الطاقة، فليست مجرد أرقام في الأسواق الدولية. إنها كلفة نقل وغذاء وإنتاج، وضغط إضافي على ميزانيات الأسر والمقاولات والدولة. وكل اضطراب في الأسواق العالمية يمكن أن تكون له ارتدادات محلية تستدعي الشفافية والاستعداد، لا الاكتفاء بانتظار وصول الفاتورة إلى المواطن.
هذه الملفات ليست منفصلة عن البرلمان. إنها صلب وظيفته الرقابية والتشريعية، ومقياس قدرته على جعل السياسات العمومية موضوعاً للمساءلة المنتظمة، لا مجرد عناوين موسمية.الانتخابات تمنح المؤسسات شرعيتها الدستورية والسياسية، لكنها لا تعفيها من واجب تجديد ثقة المواطنين عبر الأداء. فالصوت الانتخابي ليس شيكاً على بياض، والمقعد النيابي ليس امتيازاً منفصلاً عن المسؤولية.
وكلما شعر المواطن أن صوته لا يغير شيئاً، اتسعت المسافة بينه وبين المؤسسات. أما حين يرى سؤالاً يُطرح بجدية، ومعلومة تُكشف بشفافية، ومسؤولاً يُحاسب، ومشروعاً يتقدم، فإنه يجد سبباً ملموساً للثقة في العمل العام.
اليوم 13 أكتوبر، سيُعلن اسم الرئيس الجديد لمجلس النواب. ستتناقله وسائل الإعلام، وستُحلل دلالاته السياسية، وستُقرأ خلفيات انتخابه وما سبق ذلك من توافقات وحسابات.
لكن كل هذا سيظل تفصيلاً عابراً إذا لم تتغير علاقة البرلمان بالأسئلة التي تؤرق المغاربة.
فالمواطن الذي يبحث عن عمل لن يسأل عن عدد الأصوات التي حصل عليها الرئيس الجديد، بل عما إذا كانت المؤسسة التي يرأسها قد ساهمت في تحسين سياسات التشغيل. والفلاح الذي ينتظر إنصافه لن تعنيه صورة جماعية تحت قبة البرلمان، بل ما إذا كانت صرخته قد تحولت إلى مساءلة وإجراء وتعويض مستحق. والأسرة التي تخشى الغد لن تستعيد ثقتها بخطاب جديد، بل بفرق ملموس بين ما كانت تعيشه وما أصبحت قادرة على عيشه.
لهذا، لا ينبغي أن يكون السؤال في نهاية جلسة اليوم: من فاز برئاسة مجلس النواب؟ بل: ما الذي سيفعله هذا الفوز بمستقبل المؤسسة وبحياة المواطنين؟
فالأوطان لا تتقدم بتغيير الأسماء على المنصات، بل بتغيير ما يحدث على الأرض.
وغداً، حين تُطفأ الأضواء وتُطوى أعلام الاحتفال، سيعود كل شيء إلى امتحانه الحقيقي: شاب ينتظر فرصة، وفلاح ينتظر الماء، وأسرة تنتظر الإنصاف، ومواطن يريد أن يصدق أن السياسة ما زالت قادرة على تغيير حياته.
عندها فقط سيظهر إن كان البرلمان قد اختار رئيساً جديداً، أم اختار أن يكون مؤسسة جديدة في أدائها ومسؤوليتها.
لأن التاريخ لن يسأل من جلس على كرسي الرئاسة، بل سيسأل كم مواطناً نهض من مقعد الانتظار.