العالم السياسي
عبدالله هزام /الرباط
أعادت الهجمات التي استهدفت مطار الملك خالد الدولي بالعاصمة السعودية الرياض خلال نهاية الأسبوع، وما رافقها من سقوط قتلى وجرحى وتعليق الرحلات الجوية، تسليط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتصعيد العسكري في المنطقة، في وقت تتزايد فيه حساسية أسواق الطاقة تجاه أي تهديد للبنية التحتية الحيوية. ولا تقتصر آثار هذه التطورات على السعودية وحدها، إذ يمكن أن تمتد إلى حركة الطيران الدولي وأسعار النفط وتكاليف النقل، وهي قطاعات ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالاقتصاد المغربي.
هجمات دامية وإغلاق مطار الرياض
شهد مطار الملك خالد الدولي هجوماً صاروخياً يوم السبت 10 أكتوبر الجاري، أسفر، وفق بيانات نقلتها وسائل إعلام عن هيئة الطيران المدني السعودية، عن مقتل 12 شخصاً وإصابة 309 آخرين. وفي اليوم التالي، استُهدف المطار مجدداً، ما أدى إلى مقتل شخص إضافي وإصابة 11 آخرين، وفق التقارير المنشورة. و قد تبنّى الحوثيون هجمات على أهداف سعودية، فيما وصفت قيادة التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن الهجوم على المطار بأنه جريمة حرب، وفق تقارير إعلامية دولية.
وأعلنت السلطات السعودية تمديد تعليق العمليات بمطار الرياض إلى غاية 17 أكتوبر، في انتظار استكمال إجراءات التحقق من سلامة المنشآت والجاهزية التشغيلية. وأدى الإغلاق إلى اضطرابات واسعة في حركة الطيران، مع إلغاء شركات دولية رحلاتها أو تعليقها مؤقتاً. وتضع هذه التطورات شركات الطيران والمسافرين أمام حالة من عدم اليقين، خصوصاً بالنسبة إلى الرحلات التي تتخذ من الرياض وجهة نهائية أو محطة عبور نحو وجهات أخرى.
الرحلات بين المغرب والسعودية أمام تحدي الاضطراب
بالنسبة إلى المغرب، تبرز حركة النقل الجوي باعتبارها أحد المسارات المباشرة المحتملة لتأثير الأزمة، خصوصاً بالنسبة إلى المسافرين المغاربة المتوجهين إلى السعودية لأغراض العمل أو الزيارة أو أداء مناسك العمرة.
فإغلاق مطار الرياض يفرض على شركات الطيران مراجعة برامجها التشغيلية، وقد يؤدي إلى إلغاء رحلات أو تغيير مساراتها أو إعادة حجز المسافرين على رحلات بديلة، بحسب قرارات كل شركة والوجهات المتاحة.
وتُظهر بيانات تتبع الرحلات إلغاء إحدى الرحلات المسجلة ضمن خدمة الخطوط الملكية المغربية بين الرياض والدار البيضاء يوم 13 أكتوبر، غير أن ذلك لا يكفي وحده لإثبات إلغاء جميع الرحلات المباشرة بين البلدين أو تحويلها بشكل عام إلى مطار الدمام. ومن شأن استمرار الاضطرابات أن يفرض على المسافرين المغاربة متابعة إشعارات شركات الطيران والتأكد من حالة رحلاتهم قبل التوجه إلى المطارات، مع التواصل مع الوكالات المنظمة للعمرة بشأن أي تغييرات في مواعيد السفر أو ترتيبات الإقامة والنقل. وتبقى مدة الاضطراب وحجم تأثيره على المسافرين المغاربة مرتبطين بتطور الوضع الأمني وقرارات السلطات السعودية وشركات الطيران المعنية.
النفط فوق 106 دولارات.. ضغط إضافي على فاتورة الطاقة
على مستوى أسواق الطاقة، تفاعلت أسعار النفط مع المخاوف المرتبطة بالتصعيد في المنطقة واحتمالات تعطل الإمدادات. فقد ارتفع خام برنت إلى نحو 106.65 دولارات للبرميل خلال تداولات الاثنين 12 أكتوبر، وفق بيانات نقلتها وسائل إعلام اقتصادية دولية. وتكتسب هذه الزيادة أهمية بالنسبة إلى المغرب، الذي يعتمد على استيراد المحروقات والمنتجات النفطية لتلبية حاجاته. فارتفاع الأسعار العالمية يمكن أن يزيد كلفة الاستيراد، خصوصاً إذا استمر لفترة كافية، وترافق مع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين أو تغيرات غير مواتية في سعر صرف العملة. لكن انعكاس هذه التطورات على أسعار البنزين والغازوال في السوق المغربية ليس آلياً ولا فورياً. إذ يتوقف حجم التأثير وتوقيته على مستويات الأسعار عند التوريد، وتكاليف النقل والتخزين والتوزيع، والتغيرات في سعر الصرف، وآليات تحديد أسعار البيع محلياً.
وفي هذا السياق، تظل الزيادة المسجلة في الأسواق الدولية مؤشراً على احتمال تصاعد الضغوط، وليست دليلاً كافياً على أن أسعار المحروقات بالمغرب سترتفع بالضرورة خلال الأسابيع المقبلة أو بمقدار محدد.
اختبار اقتصادي أمام الحكومة المغربية
تضع تقلبات أسواق الطاقة الحكومة المغربية أمام تحدي متابعة تطورات الأزمة وتقييم انعكاساتها المحتملة على القدرة الشرائية للمواطنين وكلفة النقل والإنتاج. فأي ارتفاع مستمر في أسعار المحروقات يمكن أن ينعكس على تكاليف نقل السلع والخدمات، وعلى نفقات المقاولات والأسر، بما قد يزيد الضغوط التضخمية إذا انتقلت الزيادات إلى أسعار المنتجات النهائية. ومن هنا تبرز أهمية تتبع كلفة الاستيراد والمخزونات المتاحة، وتوفير معلومات دقيقة حول وضعية التموين، وتقييم التدابير الممكنة لحماية الفئات والقطاعات الأكثر تأثراً، وفق الإمكانات المالية والظروف الاقتصادية. كما يتطلب تدبير هذه المرحلة التمييز بين الصدمات المؤقتة التي قد تتراجع مع استقرار الأسواق، والارتفاعات المستمرة التي تستدعي إجراءات أوسع، حتى لا تُبنى القرارات الاقتصادية على ردود فعل متسرعة أو توقعات غير مؤكدة.
بين اضطراب الطيران ومخاطر الطاقة
تكشف التطورات في الرياض عن مدى ارتباط حركة النقل الجوي وأسواق الطاقة بالاستقرار الأمني في المنطقة. فالهجمات على المطارات والمنشآت الحيوية لا تقتصر آثارها على الخسائر المباشرة، بل قد تمتد إلى حركة التجارة والسفر وتكاليف التأمين والنقل، فضلاً عن تقلبات أسواق النفط. وبالنسبة إلى المغرب، يتمثل التحدي في الاستعداد لهذه التداعيات من دون تضخيمها أو التقليل من شأنها: متابعة وضعية الرحلات المتأثرة، وضمان وضوح المعلومات للمسافرين، ورصد تطورات أسعار الطاقة وتكاليف الاستيراد. فإذا استمر التصعيد وامتدت المخاطر إلى إمدادات النفط أو طرق نقله، فقد تتسع الضغوط الاقتصادية على الدول المستوردة للطاقة. أما إذا بقيت الاضطرابات محدودة زمنياً، فقد يكون تأثيرها أقل استدامة. وفي الحالتين، تبقى المعطيات الفعلية بشأن حركة الطيران وأسعار التوريد والتموين هي الأساس لتقييم حجم التأثير على المغرب، بعيداً عن الجزم بزيادات مستقبلية قبل اتضاح مسار الأزمة.
