يتجدد النقاش مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية بالمغرب حول طبيعة المشاركة السياسية للمواطنين المغاربة اليهود، في وقت تثير فيه بعض التغطيات الإعلامية جدلاً بسبب تقديم مواقف أفراد على أنها تعكس بالضرورة توجهات الطائفة اليهودية المغربية ككل.
وتشير المعطيات المرتبطة بتنظيم الطائفة إلى أن مجلس الطوائف اليهودية المغربية يظل الإطار المؤسساتي المعني بتدبير شؤونها، في حين تبقى الخيارات السياسية والانتخابية، بما فيها التصويت لفائدة حزب معين أو عدم المشاركة، قرارات شخصية تندرج ضمن الحقوق المدنية لكل مواطن.
ويعود التنظيم المؤسساتي للطائفة اليهودية المغربية إلى عقود، فيما شهد الإطار القانوني المنظم لشؤونها مستجدات سنة 2022، من خلال إقرار إعادة تنظيمها في إطار المجلس الوطني للطائفة اليهودية المغربية.
وينص هذا الإطار على أن يتكون المجلس من 24 عضواً، نصفهم يعين بظهير، باقتراح من وزير الداخلية، والنصف الآخر ينتخب من أفراد الطائفة عبر دوائر انتخابية جهوية. ويتولى المجلس تدبير شؤون الطائفة وتنسيقها وطنياً، إلى جانب صيانة وتثمين التراث الديني والثقافي اليهودي المغربي وتعزيز ارتباط المغاربة اليهود المقيمين بالخارج ببلدهم الأصلي.
وفي انتظار استكمال تنظيم الانتخابات الخاصة بإعادة تشكيل المجلس، يواصل مجلس الطوائف اليهودية المغربية الاضطلاع بدوره التمثيلي في القضايا المرتبطة بتدبير شؤون الطائفة، بينما لا يتدخل في الاختيارات الحزبية والسياسية لأفرادها.
ويبرز تاريخ المشاركة السياسية للمغاربة اليهود أن هذه الفئة لم تكن مرتبطة بتوجه حزبي واحد، إذ عرفت مشاركات مختلفة شملت أحزاباً من توجهات سياسية متعددة، فضلاً عن حالات اختار فيها مواطنون يهود عدم الانخراط الحزبي أو تبني مواقف سياسية مستقلة.
وخلال الانتخابات التشريعية لسنة 2021، برزت، على سبيل المثال، مواقف سياسية مختلفة لمواطنين مغاربة من الديانة اليهودية؛ فقد أعلن جاكي كادوش، رئيس الطائفة اليهودية بمراكش، دعمه لحزب التجمع الوطني للأحرار، في حين ترشح المواطن المغربي سيمون سكيرا باسم حزب الأصالة والمعاصرة.
كما ارتبط حضور المغاربة اليهود تاريخياً بشكل لافت بتيارات اليسار المغربي، خصوصاً الحزب الشيوعي المغربي، الذي تحول لاحقاً إلى حزب التقدم والاشتراكية، حيث برزت أسماء سياسية وفكرية من قبيل شمعون ليفي، وأبراهام السرفاتي، وإدمون عمران المالح.
ولم تقتصر المشاركة على التيارات اليسارية، إذ شهدت الساحة السياسية المغربية أيضاً ترشح مواطنين من أصول يهودية ضمن أحزاب أخرى، بما يؤكد تعدد الاختيارات السياسية داخل هذه الفئة من المواطنين.
وامتد الحضور اليهودي المغربي كذلك إلى المؤسسات المنتخبة والمناصب الحكومية، إذ سبق أن وصل عدد من المواطنين المغاربة اليهود إلى البرلمان، من بينهم رجل الأعمال الراحل سيمون ليفي، الذي انتخب عضواً في مجلس المستشارين باسم الاتحاد الدستوري.
كما تولى مغاربة يهود مناصب حكومية وتنفيذية، من بينهم دافيد بن زاكين في قطاع البريد وسيرج بيرديغو في قطاع السياحة، فيما يشكل أندري أزولاي أحد أبرز الوجوه المغربية اليهودية الحاضرة في الحياة العامة، من خلال مهامه كمستشار للملك.
وتؤكد التجارب الانتخابية السابقة بدورها أن المواقف الفردية لا يمكن تقديمها باعتبارها مواقف جماعية للطائفة. ففي انتخابات 8 شتنبر 2021، تزامن موعد الاقتراع مع رأس السنة العبرية، ما دفع أحد مسؤولي الطوائف إلى المطالبة بتأجيل الانتخابات، قبل أن يوضح مجلس الطوائف اليهودية المغربية أن الأمر يتعلق بمبادرة فردية ولا يمثل موقفاً جماعياً.
ويعكس هذا المسار تنوع الاختيارات السياسية للمغاربة اليهود، شأنهم في ذلك شأن باقي المواطنين المغاربة، إذ تظل المشاركة في الانتخابات والانتماء الحزبي والتصويت أو المقاطعة قرارات فردية، ولا يمكن اختزالها في موقف موحد باسم الانتماء الديني.
وفي هذا السياق، تظل مقولة السياسي المغربي الراحل شمعون ليفي حاضرة في النقاش حول المواطنة والانتماء، ومفادها أن اليهود المغاربة لا يختلفون عن باقي المغاربة إلا في الجانب الديني، بينما تظل القضايا الوطنية والسياسية شأناً مشتركاً بين جميع المواطنين.