العالم السياسي
الر باط – 10 أكتوبر 2026
تتجه أسواق الطاقة العالمية نحو مرحلة جديدة من الاضطراب، مع ارتفاع أسعار النفط والديزل وتراجع حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، في ظل تصاعد المواجهات العسكرية في الشرق الأوسط. وفي خضم هذه الأزمة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتفاقًا مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين لتوفير إمدادات إضافية من الديزل للأسواق، في خطوة تهدف إلى احتواء ارتفاع الأسعار، لكنها تفتح في الوقت نفسه نقاشًا بشأن حدود تأثيرها على السوق العالمية وانعكاساتها الجيوسياسية.وبالنسبة إلى المغرب، لا يتعلق الأمر بمجرد صراع بين القوى الكبرى، بل بتطورات قد تنعكس مباشرة على تكاليف استيراد الطاقة، وأسعار النقل، وكلفة الإنتاج الصناعي والفلاحي، فضلًا عن التوازنات المالية الخارجية.
النفط فوق 100 دولار.. ومضيق هرمز في قلب الأزمة
سجلت أسعار النفط ارتفاعات قوية خلال الأيام الأخيرة، مع تجاوز خام برنت مستوى 105 دولارات للبرميل، مدفوعًا بتصاعد التوترات العسكرية والهجمات على السفن والمنشآت المرتبطة بالطاقة.وأفادت تقارير اقتصادية بأن تدفقات النفط عبر مضيق هرمز تراجعت بصورة حادة، بعد أن كانت قد سجلت تحسنًا مؤقتًا في أواخر شتنبر. ويؤدي هذا التراجع إلى زيادة المخاوف بشأن توافر الإمدادات، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري، فضلًا عن اضطراب تجارة المنتجات المكررة، وفي مقدمتها الديزل. تكمن خطورة الوضع في الأهمية الاستراتيجية للمضيق، الذي تمر عبره كميات كبيرة من النفط والغاز المتجهة إلى الأسواق العالمية. فكلما تقلصت حركة السفن، ارتفعت احتمالات حدوث اختلال بين العرض والطلب، وهو ما ينعكس على الأسعار حتى في الدول التي لا تستورد مباشرة من منطقة الخليج.ولا تقتصر التداعيات على النفط الخام، إذ يشكل الديزل عنصرًا أساسيًا في تشغيل الشاحنات والآلات الزراعية والمعدات الصناعية، ما يجعل ارتفاع أسعاره عامل ضغط إضافيًا على تكاليف الإنتاج وتوزيع السلع.
صفقة ترامب وبوتين.. إمدادات إضافية في مواجهة ارتفاع الأسعار
في محاولة لاحتواء أزمة الوقود، أعلن ترامب، يوم الجمعة 9 أكتوبر، اتفاقًا مع بوتين يقضي بإتاحة كميات إضافية من الديزل الروسي للأسواق الأمريكية والعالمية.وبحسب التصريحات الأمريكية والتغطيات الإعلامية، تشمل الكميات المعلنة أكثر من 300 ألف طن في المرحلة الأولى، تليها 500 ألف طن خلال نونبر، ثم مليون طن إضافي، فضلًا عن ثلاثة ملايين طن أخرى مرتبطة بظروف الإنتاج والتكرير في روسيا. وبذلك يصل الإجمالي المعلن إلى نحو 4.8 ملايين طن إذا نُفذت جميع المراحل. وتزامن الإعلان مع إصدار وزارة الخزانة الأمريكية ترخيصًا مؤقتًا يخفف القيود المفروضة على معاملات مرتبطة بالديزل الروسي حتى أبريل 2027، في تحول لافت عن سياسة الضغط الاقتصادي التي اعتمدتها واشنطن على موسكو بسبب الحرب في أوكرانيا.غير أن الاتفاق لا يعني أن كامل الكمية ستصل فورًا إلى الولايات المتحدة، أو أنها ستُطرح دفعة واحدة في السوق العالمية. فالإمدادات موزعة على مراحل، كما أن تنفيذها يرتبط بقدرة روسيا على توفير الكميات المطلوبة وبالقيود اللوجستية والتجارية.وقد أثار القرار انتقادات أوكرانية، إذ اعتبر الرئيس فولوديمير زيلينسكي أن تخفيف القيود على الوقود الروسي يمنح موسكو فرصة إضافية للاستفادة من صادرات الطاقة في وقت تستمر فيه الحرب.
هل تنجح الصفقة في خفض أسعار الديزل؟
رغم حجم الإمدادات المعلن، لا يتوقع عدد من المحللين أن يكون تأثير الاتفاق كبيرًا بما يكفي لإنهاء أزمة الوقود العالمية.وتشير التقديرات التي أوردتها وكالة أسوشيتد برس إلى أن زيادة الإمدادات قد تخفف الضغط على بعض الأسواق، لكنها لن تعالج وحدها نقص المنتجات المكررة واضطراب طرق التجارة الدولية. كما أن إعادة توجيه شحنات روسية إلى الولايات المتحدة قد تدفع مشترين آخرين إلى البحث عن مصادر بديلة، بما يحد من الأثر الصافي للزيادة في المعروض العالمي. و تزداد صعوبة المهمة مع استمرار التوترات في الشرق الأوسط، لأن إمدادات إضافية من الديزل لا تعوض بالضرورة كل الكميات المتأثرة باضطرابات الملاحة، ولا تضمن انخفاض تكاليف الشحن والتأمين.لذلك، فإن الرهان الأمريكي على الصفقة يرتبط بقدرتها على تخفيف الضغوط السعرية في الأجل القصير، لكنه لا يلغي الحاجة إلى استقرار الممرات البحرية واستعادة انتظام الإمدادات.
المغرب.. فاتورة الطاقة تحت ضغط الأسواق الدولية
بالنسبة إلى المغرب، تكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بسبب اعتماده على استيراد المنتجات الطاقية لتلبية جزء مهم من حاجياته. وعندما ترتفع أسعار النفط والديزل في الأسواق الدولية، قد ترتفع قيمة الواردات حتى إذا لم تتغير الكميات المستوردة بشكل كبير.ويظهر الأثر المحتمل عبر عدة قنوات مترابطة:
-
فاتورة الاستيراد: ارتفاع أسعار الوقود يرفع قيمة المشتريات الخارجية، وقد يزيد الضغط على الحساب الجاري.
-
النقل والخدمات اللوجستية: ارتفاع تكلفة الديزل والشحن قد يرفع كلفة نقل البضائع وتوزيعها داخل المغرب.
-
الفلاحة والصناعة: زيادة تكلفة تشغيل الآلات والمعدات والنقل يمكن أن تضغط على هوامش أرباح المقاولات وترفع تكاليف الإنتاج.
-
الأسعار والقدرة الشرائية: إذا انتقلت الزيادة في التكاليف إلى أسعار السلع والخدمات، فقد تتراجع القدرة الشرائية للأسر، خصوصًا الفئات ذات الدخل المحدود.ولا يعني ذلك أن ارتفاع أسعار النفط سينعكس بالضرورة وبالنسبة نفسها على أسعار الوقود في السوق المغربية؛ إذ يتوقف الأثر الفعلي على أسعار المنتجات المكررة، وتكاليف الاستيراد والتخزين والتوزيع، وتوقيت وصول الشحنات، إلى جانب تطورات السوق المحلية.
