العالم السياسي
الرباط / لم يعد الغضب في فرنسا حبيس قاعات البرلمان، بل انتقل إلى أبواب الثانويات. فما بدأ كاحتجاجات طلابية متفرقة على ظروف التمدرس ونقص الموارد، تحول في الأسابيع الأخيرة إلى تعبئة أوسع، تقاطعت مع رفض النقابات لتوجهات حكومة سيباستيان لوكورنو التقشفية لاحتواء عجز الميزانية. الشارع يغلي، والحكومة تجد نفسها محاصرة بين وعود الإصلاح وضغوط الأسواق المالية.المأزق مزدوج. فمن جهة، تطالب وكالات التصنيف والمفوضية الأوروبية باريس بخفض الإنفاق، ومن جهة أخرى يرفض الشارع المساس بمكتسبات النموذج الاجتماعي الفرنسي، من مجانية التعليم إلى نظام التقاعد. وتدرك المعارضة، يمينا ويسارا، أن أي تنازل في هذا الملف سيكون مكلفا قبل أشهر قليلة من رئاسيات 2027، ما يجعل كل نقاش حول الميزانية بمثابة مناورة انتخابية مبكرة.في هذا السياق، لم تعد شرارة المدارس مجرد أزمة قطاعية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة على التوفيق بين الصرامة المالية والعدالة الاجتماعية. فهل تنجح حكومة لوكورنو في احتواء الغضب، أم أن ما يجري في ساحات الثانويات هو الفصل الأول من معركة أكبر على مستقبل فرنسا نفسها؟من أبواب الثانويات في ضواحي باريس وليون ومرسيليا، إلى قاعات الجمعية الوطنية، يتصاعد منسوب التوتر في فرنسا بشكل غير مسبوق منذ احتجاجات إصلاح نظام التقاعد.المشهد يبدو مألوفًا: تلاميذ يغلقون المدارس، ونقابات تعليمية تدعو إلى الإضراب، وحكومة تبدو عاجزة عن إطفاء الحرائق المتعددة. شرارة المدارس لم تأتِ من فراغ. فمنذ بداية الدخول المدرسي 2025-2026، تشتكي النقابات من اكتظاظ الأقسام، ونقص أطر التدريس، وتدهور البنية التحتية لعدد من المؤسسات، خاصة في الأحياء الشعبية. لكن ما كان مطلبًا قطاعيًا سرعان ما وجد سندًا في سياق وطني أكثر توترًا: مشروع ميزانية 2026 الذي قدمته حكومة سيباستيان لوكورنو. الحكومة، التي ورثت عجزًا يتجاوز 5.5% من الناتج المحلي الإجمالي، تقول إنه لا خيار أمامها سوى خفض الإنفاق بنحو 40 مليار يورو. وتشمل الخطة تجميد التوظيف في القطاع العام، وتقليص دعم بعض القطاعات، ومراجعة آليات الإنفاق الاجتماعي. وفي نظر وزارة الاقتصاد، تُعد هذه الإجراءات ضرورية لطمأنة الأسواق وتجنب خفض التصنيف الائتماني لفرنسا.لكن في الشارع، تبدو الترجمة مختلفة. فبالنسبة إلى النقابات العمالية والطلابية، يعني التقشف مساسًا مباشرًا بالنموذج الاجتماعي الفرنسي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية. واعتبر الاتحاد العام للشغل والكونفدرالية الديمقراطية للعمل أن الحكومة «تحمّل الفئات المتوسطة والشباب كلفة أخطاء لم يرتكبوها». أما تنسيقيات الثانويين، فرفعت شعار: «مدرسة بلا وسائل، مستقبل بلا آفاق».
وبين هذين المنطقين، تضيق هوامش المناورة أمام لوكورنو. فحكومته لا تملك أغلبية مطلقة في البرلمان، وهي مجبرة على التفاوض بشأن كل مشروع قانون، بينما تستعد المعارضة مبكرًا للرئاسيات. واليمين المتطرف، بقيادة التجمع الوطني، يستثمر في خطاب «الدولة التي تُفقِر أبناءها»، فيما ترى فرنسا الأبية في الاحتجاجات فرصة لإعادة تعبئة قاعدتها الشبابية. أما الوسط الرئاسي، فيخشى تكرار سيناريو «السترات الصفراء»، حين تحول غضب اجتماعي محدود إلى أزمة سياسية واسعة.
لكن التحدي الأكبر أن أزمة المدارس تكشف صدعًا أعمق: أزمة ثقة بين جيل يرى أن سلم الحراك الاجتماعي معطل، ودولة تبدو عاجزة عن تمويل وعودها. وتشير آخر استطلاعات الرأي إلى أن أكثر من 68% من الفرنسيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عامًا يعتقدون أن مستواهم المعيشي سيكون أقل من مستوى آبائهم.
وقبل أشهر من رئاسيات 2027، لم يعد السؤال هو: هل ستنجح الحكومة في تمرير الميزانية؟ بل: هل تستطيع فرنسا الحفاظ على توازنها التاريخي بين الصرامة المالية والعدالة الاجتماعية؟شرارة انطلقت من باب ثانوية قد تتحول إلى معركة تحدد ملامح الجمهورية الخامسة في عقدها القادم.