العالم السياسي
عبدالله هزام /الرباط
على مر التاريخ، لم تكن الإشاعة مجرد ثرثرة عابرة، بل كانت ولا تزال سلاحا سياسيا فتاكا، منخفض التكلفة، عالي التأثير.فمن الناحية السوسيولوجية، لا تنتشر الإشاعة في الفراغ، وإنما تنبت حيث يوجد فراغ معلوماتي. فعندما تتأخر المعلومة الرسمية، أو تأتي بلغة خشبية، يسارع الخيال الشعبي إلى ملء الفراغ. وبناءً على ذلك، يمكن القول إن الإشاعة تزدهر في بيئة تتقاطع فيها ثلاثة عوامل أساسية:
أولًا، أزمة ثقة بين المواطن والمؤسسة، تجعله يصدق تدوينة مجهولة أكثر من بلاغ رسمي؛
وثانيًا، بنية اجتماعية تقليدية قائمة على القرابة والولاء، حيث تنتقل الإشاعة عبر مجموعات الواتساب العائلية، لأن مصدرها «موثوق عاطفيًا»؛
أما ثالثًا، فهي آلية تنفيس اجتماعي، بحيث يصبح ترديد إشاعة عن مسؤول شكلًا من أشكال الاحتجاج الصامت الذي لا يجرؤ الفرد على إعلانه مباشرة.
أما من الزاوية السيكولوجية، فإن خطورة الإشاعة لا تكمن في استهدافها للمعلومة بقدر ما تكمن في استهدافها للصورة الذهنية. بعبارة أخرى، الهدف ليس إقناعك بأن هذا الوزير فاسد، بل زرع بذرة الشك في لا وعيك.
وهنا تحديدًا يشتغل ما يسميه علم النفس «التأثير التراكمي للتشويه المعرفي»؛ فحين تسمع عشر مرات أن فلانًا سيرحل أو سيسقط، فإنك في المرة الحادية عشرة قد تصدق الخبر دون أن تطالب بدليل، لأن التكرار يكون قد خلق لديك حقيقة نفسية بديلة.
ومع ذلك، فإن ما غيّرته الرقمنة ليس طبيعة الإشاعة، بل هندستها وسرعتها. فإذا كانت الإشاعة قديمًا تحتاج أربعين يومًا لتنتقل من الرباط إلى طنجة عبر «البراح» وسوق الخميس، فإنها اليوم تحتاج أربعين ثانية فقط عبر تيك توك. وعليه، فقد تغيرت ثلاث قواعد كبرى:
لأول مرة، أصبحت السرعة معيارًا للحقيقة؛ فالجمهور لم يعد يسأل: «هل الخبر صحيح؟»، بل: «هل أنا أول من نشره؟».
ونتيجة لذلك، أصبحت الخوارزمية حليفًا موضوعيًا للفضيحة، لأن المنصات تدفع بالإشاعة المثيرة أكثر من الخبر الرسمي الرتيب، بحثًا عن التفاعل.
والأخطر من كل ذلك، أن الفاعل أصبح مجهولًا؛ فبعد أن كنا نعرف من همس بالإشاعة في المقهى، صار اليوم حساب وهمي واحد قادرًا على خلخلة ثقة برلمان بأكمله.
صفوة القول، إننا في 2026 لم نعد أمام إشاعة تقليدية، بل أمام صناعة منظمة للإشاعة، بميزانيات وصفحات ممولة وفيديوهات مفبركة بالذكاء الاصطناعي.
لذلك، فإن مواجهتها لا تكون بالتكذيب المتأخر، وإنما بسرعة المعلومة الرسمية وشفافيتها؛ لأن القاعدة الذهبية تقول: المجتمعات التي تملك معلومة سريعة وواضحة، تموت فيها الإشاعة بسرعة.