العالم السياسي
الرباط
تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة يوم 29 شتنبر 2026 بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة انتخابات 23 شتنبر بـ 97 مقعدا من أصل 395، لم يعد مجرد حدث دستوري تطبيقا للفصل 47، بل هو حدث سيكولوجي جماعي بامتياز.علم النفس الاجتماعي يعلمنا أن المجتمعات لا تتفاعل مع المنصب، بل مع الصورة الذهنية للمنصب. ورئاسة الحكومة في المخيال المغربي ارتبطت لعقود بصورة ذكورية سلطوية، تقنية، مركزية. و وصول امرأة، مراكشية، محامية، عمدة سابقة لمراكش سنة 2009، ووزيرة سابقة للإسكان، يكسر ما يسميه علماء النفس “النمط المعرفي المهيمن” أو الـ Stereotype.هذا الكسر ينتج ثلاث ظواهر نفسية فورية:
1- صدمة التمثيل الإيجابية:
عندما ترى فئة واسعة من النساء والشباب شخصا يشبهها في أعلى هرم السلطة التنفيذية، يحدث ما يسمى “التعرف التمثيلي”. المنصوري ليست مجرد وزيرة، بل هي أول امرأة تترأس مجلس الوزراء في تاريخ المغرب. هذا يرفع منسوب “الفعالية الذاتية الجمعية” أي إحساس المجتمع بأنه قادر على التغيير. خطابها خلال الحملة “الشباب يمرون بأزمة ويجب أن نقدم لهم إجابات ملموسة وليس خطابات” لامس هذا الوتر.
2- إسقاط التوقعات المفرطة:
من زاوية علم النفس الاجتماعي، المجتمع يميل إلى تحميل القائد الجديد، خاصة إذا كان يكسر نمطا تقليديا، توقعات غير واقعية. برنامج حزبها يعد بمليون فرصة عمل ونمو 5% وتحسين القدرة الشرائية. لكن حكومتها ستتشكل من تحالف اضطراري، لأن 97 مقعدا لا تمنح أغلبية مطلقة، وستحتاج للتفاوض مع الأحرار 66 مقعدا والاستقلال 65 مقعدا والعدالة والتنمية 54 مقعدا. أي تأخر في التشكيل أو تنازل في التحالف سيُقرأ نفسيا كـ “خيانة للرمز” وليس كإكراه دستوري.
3- اختبار الكفاءة لا الرمز:
أهم تحول يحدث الآن في عقل المجتمع وكما تشير اليه الدراسات و الابحاث هو أن الناس لم يعودوا يسألون: هل يمكن لامرأة أن تصبح رئيسة حكومة؟ هذا السؤال انتهى يوم 29 شتنبر بتعيين المنصوري.السؤال الجديد الذي يطرحه المواطن العادي في الشارع والمقهى هو أبسط وأعمق: ماذا ستفعل هذه الرئيسة في حياتي اليومية؟ هل ستنخفض الأسعار؟ هل سأجد مستشفى ومدرسة جيدة؟ هل ستحاسب من يفسد؟بمعنى آخر، المجتمع انتقل من مرحلة الإعجاب بالرمز “أول امرأة” إلى مرحلة المحاسبة على النتائج “ماذا ستقدم هده الحكومة؟”. وهذا هو النضج الحقيقي. قيمة التجربة لم تعد في كونها سابقة تاريخية، بل في كونها ستُقاس مثل أي حكومة أخرى بمعيار واحد: هل ستتحول الوعود إلى قرارات تلمسها الأسرة المغربية في معيشها اليومي؟
بمعنى أخر ان الانتقال سيكون من سؤال “هل تستطيع المرأة الوصول الى قيادة الحكومة ؟” إلى سؤال “كيف ستمارس السلطة؟”. المجتمع المغربي سيتجاوز مرحلة الانبهار الرمزي، وسيدخل مرحلة المحاسبة السلوكية. المنصوري ستحاكم ليس لأنها امرأة، بل كرئيسة حكومة مسؤولة عن تدبير التضخم، العجز التجاري الذي بلغ 282 مليار درهم، وفاتورة الطاقة التي قفزت 32.6%.من منظور علم النفس الاجتماعي، نجاحها لا يتوقف على كونها أول امرأة، بل على قدرتها على تحويل الرمز إلى طمأنينة. المجتمعات بعد الانتخابات المتوترة تحتاج إلى “أمومة مؤسساتية” وليس أبوة سلطوية: الإنصات، التهدئة، العدالة الإجرائية، والشعور بأن القرار قريب من الناس. تجربتها في تدبير مدينة مراكش المعقدة اجتماعيا وسياحيا تعطيها رصيدا في هذا الجانب.
الخلاصة السيكولوجية: تكشف أن تعيين المنصوري ليس نهاية مسار المساواة، بل بداية اختبار جديد. إذا نجحت في بناء أغلبية منسجمة وتحويل برنامجها إلى سياسات قابلة للتنفيذ والتقييم، حينىد سيتحول الحدث من “سابقة تاريخية إلى “قاعدة جديدة” في الوعي الجمعي المغربي: أن رئاسة الحكومة منصب كفاءة لا جنس.
عبدالله هزام /الرباط
تخصص علم النفس الاجتماعي
