متابعة. اصوات الراشدية
يبرز اقتصاد التراث اليوم كأحد البدائل التنموية القادرة على إحداث تحول حقيقي في جهة درعة تافيلالت، في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها المنطقة. فبعيدًا عن كونه مجرد شعار ثقافي، بات التفكير الجدي في تثمين التراث المادي واللامادي خيارًا استراتيجيًا يربط الماضي بالمستقبل، ويجعل من الذاكرة الجماعية رافعة للتنمية وخلق فرص الشغل.
وتزخر جهة درعة تافيلالت بمؤهلات تراثية استثنائية، تشمل القصور والقصبات العتيقة، والمواقع الأثرية، والموروث الشفهي والفني، ما يجعلها من أغنى الجهات المغربية على مستوى الهوية الثقافية. هذا الرصيد، الذي ظل لسنوات طويلة مهمشًا أو غير مستثمر بالشكل الكافي، يمكن أن يتحول إلى محرك اقتصادي فعّال إذا ما أُحسن تدبيره وإدماجه ضمن رؤية تنموية مندمجة.
وتكتسي الجهة، التي تضم مدنًا ذات إشعاع سياحي مثل ورزازات وتنغير والرشيدية، جاذبية متنامية لدى الزوار المغاربة والأجانب، ما يفتح آفاقًا واسعة لتحويل التراث إلى منتوج اقتصادي قابل للتسويق، سواء عبر السياحة الثقافية أو الصناعات الإبداعية والحرف التقليدية. كما يتيح هذا التوجه فرصًا حقيقية للتشغيل المحلي، خصوصًا لفائدة الحرفيين، والمرشدين السياحيين، وساكنة القرى والمناطق الجبلية، بما يساهم في الحد من البطالة والهجرة القروية.
ويرى مهتمون بالشأن التنموي أن جعل اقتصاد التراث قاطرة حقيقية للتنمية يمر عبر حزمة من الإجراءات العملية، في مقدمتها إعادة تأهيل القصور والقصبات وفق مقاربة تحترم الخصوصيات المعمارية المحلية، وتعتمد على اليد العاملة والخبرة المحلية. كما يشكل إدماج التراث ضمن السياحة المستدامة خيارًا أساسيًا، من خلال إحداث مسارات ثقافية، وتنظيم مهرجانات محلية، وتطوير تجارب سياحية قائمة على العيش المشترك مع الساكنة واكتشاف أنماط الحياة التقليدية.
ولا يقل دعم الصناعات التقليدية أهمية، خاصة في مجالات النسيج، والفخار، والنقش، عبر مواكبة الحرفيين وربط منتوجاتهم بمنصات تسويق رقمية وطنية ودولية، بما يضمن لهم دخلاً قارًا ويعزز تنافسية المنتوج التراثي. كما يبرز إدماج التراث في منظومة التعليم والتكوين كرافعة أساسية لاستدامة هذا الاقتصاد، من خلال إحداث معاهد ومراكز متخصصة في الحرف التراثية، على غرار بعض المبادرات القائمة بالرشيدية وورزازات.
ويُنتظر أن ينعكس هذا التحول إيجابًا على مسار التنمية بالجهة، عبر تحقيق قدر أكبر من العدالة المجالية، وتوزيع فرص النمو على القرى والمراكز الصغرى، بدل تركيزها في المدن الكبرى. كما يساهم في تعزيز الشعور بالانتماء والاعتزاز بالهوية لدى الساكنة، حين يصبح التراث مصدر فخر وعيش كريم في آن واحد، فضلًا عن إرساء أسس تنمية مستدامة تقوم على مورد متجدد لا ينضب.
وفي هذا السياق، يشدد متابعون على أن اقتصاد التراث ليس ترفًا ثقافيًا، بل استثمارًا استراتيجيًا في الإنسان والمجال، قادرًا على إحداث نقلة نوعية في جهة درعة تافيلالت إذا ما توفرت الإرادة السياسية، والحكامة الجيدة، والتنسيق بين الفاعلين العموميين والخواص.
ويُجمع عدد من الأكاديميين والباحثين على أهمية الرؤى العلمية الرصينة التي تربط بين التحليل العميق وواقعية المقترحات، معتبرين أن جعل المعرفة في خدمة التنمية هو المدخل الحقيقي لبناء نموذج تنموي متوازن، يستجيب لخصوصيات الجهة وتطلعات ساكنتها. وفي هذا الإطار، يشكل النقاش حول اقتصاد التراث إضافة نوعية للحوار العمومي حول مستقبل درعة تافيلالت، وأفقها التنموي المنشود.
