بقلم: د.الحسن ولدالمسكين
لم يعد ملف الأطر المساعدة والمنشطين التربويين بقطاع الشباب مجرد مطلب اجتماعي عابر، بل تحوّل إلى مرآة تعكس اختلالات عميقة في تدبير الشأن العمومي، واختباراً حقيقياً لمدى جدية الدولة في احترام كرامة العاملين داخل قطاعات يفترض أنها تراهن على الإنسان قبل أي شيء آخر.
بيان المكتب الجهوي للأطر المساعدة بجهة الدار البيضاء الكبرى الصادر في 03 فبراير 2026 لا يمكن قراءته كخطوة نضالية عادية، بل كإنذار واضح من فئة أنهكها الانتظار وملّها التسويف.
لسنوات طويلة، ظلت الأطر المساعدة تشتغل في قلب مؤسسات الشباب، تنفذ البرامج، تؤطر الأنشطة، وتتحمل مسؤوليات تربوية واجتماعية جسيمة، دون اعتراف قانوني يوازي حجم أدوارها. ورغم التحولات الخطابية التي عرفتها السياسات العمومية، ما زال منطق “المناولة” يُفرض كحل جاهز، يختزل العامل في رقم، ويجرده من أبسط حقوق الاستقرار والأمان الوظيفي.
البيان الجهوي لم يأتِ بجديد بقدر ما وضع الأصبع على جرح قديم: الهشاشة ليست قدراً، بل خياراً سياسياً. خيار يُبقي فئة كاملة خارج منطق الإدماج، ويُمرر عبر عقود غامضة تطرح أكثر من علامة استفهام حول شفافيتها وجدواها، بل وحول المستفيد الحقيقي منها. لذلك، فإن الدعوة إلى فتح تحقيقات وطنية مستقلة في الخروقات المالية والإدارية المرتبطة بعقود المناولة ليست ترفاً نضالياً، بل مطلباً مشروعاً يدخل في صلب ربط المسؤولية بالمحاسبة.
الأخطر في هذا الملف ليس فقط استمرار المناولة، بل محاولة تطبيعها وتقديمها كأمر واقع لا يقبل النقاش، في تجاهل صارخ لوحدة الملف النضالي وطنياً، ولمشروعية مطلب الإدماج المباشر والعادل. فكل الحلول الترقيعية، وكل محاولات الالتفاف أو تفتيت الصف، لا تؤدي سوى إلى تعميق الاحتقان، وتأجيل الانفجار الاجتماعي لا أكثر.
لغة التحذير التي حملها البيان الجهوي ليست تصعيداً مجانياً، بل نتيجة منطقية لسنوات من الصمت الرسمي، وغياب إرادة سياسية حقيقية لمعالجة جوهر المشكل. حين تعلن فئة استعدادها لخوض “تصعيد نضالي وطني غير مسبوق”، فذلك يعني أن منسوب الثقة في الحوار المؤسساتي بلغ أدنى مستوياته، وأن المسؤولية لم تعد أخلاقية فقط، بل سياسية وقانونية كذلك.
إن قطاع الشباب، الذي يفترض أن يكون رافعة للتنمية البشرية والمواطنة الفاعلة، لا يمكن أن يُبنى على هشاشة من يسهرون على تأطير الشباب وتكوينهم. وأي حديث عن إصلاح القطاع أو تنزيل البرامج الكبرى، سيظل خطاباً فارغاً ما دامت الأطر المساعدة تُعامل كعبء إداري، لا كقوة بشرية استراتيجية.
اليوم، الكرة في ملعب الجهات الوصية: إما فتح حوار جدي وشجاع ينتهي بإنهاء نظام المناولة والإدماج الفعلي لهذه الفئة، أو الاستمرار في سياسة الهروب إلى الأمام، وما تحمله من كلفة اجتماعية وسياسية لن يكون من السهل احتواؤها. فالتاريخ القريب علّمنا أن الملفات المؤجلة لا تموت… بل تعود دائماً، للواجهة.
