بقلم: الأستاذ محمد عيدني – فاس
تزامناً مع التساقطات المطرية التي تشهدها عدد من المناطق الفلاحية والطرق الوطنية، بدأت تظهر بوادر ارتباك في سلسلة نقل الخضر والفواكه، خصوصاً بالنسبة لسائقي الشاحنات المكلّفين بنقل المنتوجات الفلاحية نحو أسواق الجملة ومراكز الاستهلاك، وهو وضع ينذر بتداعيات مباشرة على تموين الأسواق واستقرار الأسعار، في مرحلة حساسة تتزامن مع اقتراب شهر رمضان، الذي يعرف عادة ارتفاعاً ملحوظاً في الطلب.
الأمطار، رغم أهميتها الفلاحية على المدى المتوسط والبعيد، تسببت في تعطيل حركة السير بعدد من المحاور الطرقية، خاصة في المناطق القروية، حيث يعاني سائقو الشاحنات من صعوبة الولوج إلى الضيعات الفلاحية، وتأخر عمليات الجني والنقل، إضافة إلى مخاطر الانزلاقات وتضرر بعض المقاطع الطرقية. هذا الوضع انعكس سلباً على وتيرة تزويد الأسواق، وأثار تخوفات مهنية من اختلال محتمل في العرض.
ويرى مهنيون في قطاع النقل الفلاحي أن استمرار هذه الوضعية قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل، نتيجة طول مدة الرحلات، وزيادة استهلاك الوقود، وتلف جزء من السلع القابلة للتلف السريع، وهو ما ينعكس في النهاية على السعر النهائي الذي يؤديه المستهلك. كما أن بعض السائقين يفضلون التريث أو تقليص عدد الرحلات في ظل الظروف المناخية الصعبة، تفادياً للمخاطر، ما يزيد من حدة الإشكال.
ومع اقتراب شهر رمضان، حيث يزداد الإقبال بشكل كبير على الخضر والفواكه، تتصاعد المخاوف من أن يؤدي هذا الاضطراب الظرفي إلى موجة ارتفاع جديدة في الأسعار، تثقل كاهل الأسر، خاصة ذات الدخل المحدود، في وقت تبذل فيه الحكومة جهوداً معلنة للحفاظ على استقرار الأسواق وضمان وفرة المواد الأساسية.
وفي هذا السياق، يطرح المتتبعون تساؤلات مشروعة حول كيفية تعامل الحكومة مع هذا التحدي الظرفي، ومدى جاهزية الآليات المتوفرة لديها للتدخل الاستباقي. فالتجارب السابقة أظهرت أن ترك السوق يخضع فقط لمنطق العرض والطلب، في فترات استثنائية، قد يؤدي إلى مضاربات وارتفاعات غير مبررة في الأسعار.
ويؤكد فاعلون اقتصاديون أن المطلوب اليوم هو تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، من قطاعات فلاحية ونقلية وتجارية، مع تكثيف مراقبة مسالك التوزيع، وضمان انسيابية النقل نحو أسواق الجملة، إلى جانب اتخاذ إجراءات عملية لتسهيل حركة الشاحنات في المناطق المتضررة من الأمطار، سواء عبر صيانة عاجلة لبعض المقاطع الطرقية أو تنظيم مؤقت لحركة السير.
كما يشدد هؤلاء على أهمية تفعيل آليات ضبط الأسعار، ومحاربة الاحتكار والمضاربة، خاصة خلال الأسابيع التي تسبق شهر رمضان، مع ضمان تواصل واضح وشفاف مع الرأي العام لطمأنة المستهلكين بشأن وفرة التموين، تفادياً لحالات الهلع الشرائي التي تساهم بدورها في رفع الأسعار.
إن التحدي المطروح اليوم لا يتعلق فقط بتأثير الأمطار على النقل، بل بكيفية تدبير مرحلة دقيقة تتقاطع فيها عوامل مناخية واقتصادية واجتماعية. وبين ضرورة حماية القدرة الشرائية للمواطن، والحفاظ على توازن السوق، يبقى الرهان الحقيقي هو التدخل في الوقت المناسب، بسياسات عملية وواقعية، حتى يمر شهر رمضان في أجواء من الاستقرار التمويني والأسعار المعقولة.
