يفرض اقتراب شهر رمضان إيقاعًا جديدًا على الحياة اليومية، إذ تتراجع بعض العادات لتفسح المجال لطقوس اجتماعية ذات صبغة روحية، وفي مقدمتها “الربعين” التي تتحول كل عام إلى محطة فاصلة يمتزج فيها الوازع الديني بالعرف الاجتماعي.
ثم تتكرس في الوعي الجمعي قناعة مفادها أن الصيام لا يستقيم دون انقطاع مسبق عن شرب الخمر يمتد أربعين يومًا، لتغدو هذه الممارسة قاعدة غير مكتوبة تسبق الشهر الفضيل وتؤطر سلوك فئات واسعة من المستهلكين.
وفي هذا السياق، يوضح الدكتور محسن اليرماني، الباحث في العقيدة، أن تحريم الخمر حكم شرعي ثابت لا يرتبط بزمن بعينه، مؤكدًا أن الامتناع عنها قبيل رمضان—even دون نص صريح يحدده—يحمل بعدًا قيميًا يعكس تعظيم الشهر وتوقيره، ويُعد فرصة للإقلاع عن العادات السيئة والتوبة.
وبالموازاة، يقدّم الدكتور كمال زمراوي، أستاذ علم النفس الاجتماعي، قراءة نفسية واجتماعية لهذه الظاهرة، معتبرًا أن التوقف المؤقت يعكس حالة “التنافر المعرفي”، حيث يسعى الفرد إلى التوفيق بين سلوك يتعارض مع القيم الدينية ورغبته في الحفاظ على صورة ذاتية منسجمة مع قدسية الزمن الرمضاني.
كما يبرز، في الاتجاه نفسه، دور الضغط الاجتماعي غير المباشر خلال رمضان، إذ تتحول المراقبة الجماعية والخوف من الوصم إلى آليات تضبط السلوك، فيغدو الامتناع عن شرب الخمر فعلًا اجتماعيًا بقدر ما هو قرار نفسي.
وأخيرًا، يتقاطع البعدان الديني والنفسي عند خلاصة واحدة مفادها أن “الربعين” ليست مجرد تقليد موسمي، بل مرآة لعلاقة معقدة بين القيم والممارسات، حيث يتجدد النقاش سنويًا بين من يراها توقيرًا محمودًا للشهر الفضيل ومن يدعو إلى مساءلتها عقلانيًا بعيدًا عن الأحكام الجاهزة.
